ترامب تحدث عن علم الحكومة بما يحدث
ترامب تحدث عن علم الحكومة بما يحدث

أبرزت سلسلة من المشاهدات لطائرات مسيرة في أجواء نيو جيرسي وولايات أميركية أخرى ثغرات في الأمن الجوي الأميركي يجب سدها، بحسب مايك والتز، الذي اختاره الرئيس المنتخب دونالد ترامب لشغل منصب مستشار الأمن القومي.

تصريحات والتز الجديدة تأتي في سياق حالة سائدة من الجدل منذ أسابيع عدة، بشأن طائرات من دون طيار تظهر في سماء شمال شرقي الولايات المتحدة.

إدارة الرئيس جو بايدن قللت من المخاوف بشأن عدد متزايد من البلاغات في هذا الخصوص، وأكدت أن لا دليل على أي تهديد للأمن القومي.

بيد أن مشرعين أميركيين، بينهم ديمقراطيون، أعربوا عن إحباطهم مما وصفوه بـ "عدم شفافية الحكومة" في معالجة المخاوف العامة في هذا الصدد.

وقال والتز إن الأميركيين يشعرون بالإحباط المتزايد إزاء "فشل إدارة بايدن" -على حد قوله- في توضيح ما لديها من معلومات بشأن التقارير عن الطائرات المسيرة.

وأوضح والتز لبرنامج "فيس ذا نيشن" على شبكة (سي.بي.إس نيوز): "أن مسألة المسيرات تشير إلى نوع من الفجوات في وكالاتنا.. فجوات بين وزارة الأمن الداخلي، ووكالات إنفاذ القانون المحلية، ووزارة الدفاع".

وأضاف، في إشارة منه إلى نظام الدفاع الصاروخي لإسرائيل، أن "الرئيس (المنتخب دونالد) ترامب تحدث عن قبة حديدية لأميركا، يجب أن يشمل ذلك الطائرات المسيرة أيضا، وليس فقط الأنشطة العدائية مثل الصواريخ الفرط صوتية."

وطورت إسرائيل منظومة القبة الحديدية بدعم من الولايات المتحدة، وهي نظام دفاع جوي متنقل مصمم لاعتراض الصواريخ القصيرة المدى، وقذائف المدفعية التي تهدد المناطق المأهولة بالسكان.

"لا تدخل أجنبيا"

بدأ رصد طائرات مسيرة في نيو جيرسي في منتصف نوفمبر، لكنها انتشرت في الأيام القليلة الماضية لتشمل ولايات ماريلاند وماساتشوستس وولايات أخرى.

واستحوذت هذه المشاهدات على اهتمام وسائل الإعلام ودفعت إلى إنشاء صفحة على موقع فيسبوك تضم ما يقرب من 70 ألف عضو.

والسبت، قالت كاثي هوكل، الحاكمة الديمقراطية لولاية نيويورك، في بيان، إن مدارج مطار صغير في المنطقة أغلقت لمدة ساعة مساء اليوم السابق بسبب ظهور "مسيّرات جديدة."

وبعد عام ونصف عام على حادثة إسقاط الولايات المتحدة منطادا صينيا، قالت بكين إنه ليس لأغراض التجسس، أثار بعض النواب المنتخبين، مثل عضو الكونغرس الجمهوري كريس سميث، إمكان أن تكون تلك المسيرات والأجسام الطائرة تهديدا من دولة أجنبية مثل روسيا أو الصين، من دون تقديم أي دليل يدعم ذلك.

ونفى وزير الأمن الداخلي، أليخاندرو مايوركاس، تلك الإدعاءات، وأردف: "لم نر تدخلا أجنبيا فيما يتعلق بهذه المشاهدات في الشمال الشرقي ونحن يقظين."

وقال مايوركاس، الأحد، لقناة (إيه بي سي)، "ليس هناك شك في أن الناس يرون مسيّرات. هناك آلاف من الطائرات المسيرة التي تحلق كل يوم في الولايات المتحدة، مسيّرات ترفيهية، مسيّرات تجارية."

وأضاف "إذا كان هناك أي سبب للقلق، وإذا حددنا أي تورط أجنبي أو نشاط إجرامي، فسوف نتواصل مع الجمهور. لكن في الوقت الحالي، لا علم لنا بشيء من هذا القبيل".

وأكد ممثلون للشرطة الفدرالية (إف بي آي) والأمن الداخلي وإدارة الطيران الفدرالية (إف إيه إيه) أنه لا يوجد أي عنصر، في هذه المرحلة من تحقيقاتهم، يُظهر وجود نشاط إجرامي أو صادر عن قوة أجنبية.

من جانبه قلل جيم هايمس، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، من أهمية المخاوف من أن أعداء الولايات المتحدة قد يرسلون مسيرات فوق المدن الأميركية عندما يستطيعون استخدام الأقمار الصناعية لمراقبة الولايات المتحدة بأمان وسهولة.

وقال لقناة (فوكس نيوز) إن "الصين وإيران لن يرسلوا مسيرات فوق نيويورك ونيو جيرسي يمكننا إسقاطها والسيطرة عليها بسهولة."

وأضاف "لقد تعلم الصينيون الدرس جيدا من منطادهم للتجسس."

ومساء الجمعة شكك ترامب، الذي من المقرر أن يتولى منصبه يناير المقبل، في صدق الحكومة.

وكتب على منصته الاجتماعية (تروث سوشل) "مشاهدات غامضة لمسيّرات في كل أنحاء البلاد. هل يمكن أن يحدث هذا حقا من دون علم حكومتنا؟ لا أعتقد ذلك! على الجمهور أن يعرف وعلى الفور. وإلا فلتُسقِطوها".

إعادة النظر بالتنظيمات

 وبعث السيناتور الديمقراطي تشاك شومر رسالة إلى وزير الأمن الداخلي أليخاندرو مايوركاس، الأحد، يحضه فيها على استخدام أحدث تقنيات الكشف عن المسيّرات بلا تأخير. 

وأعلن أنه سيدعم قانونا جديدا يهدف إلى تزويد السلطات بأفضل الأدوات لكشف هذه الأجهزة.

وقال في بيان "علمتُ من الاجتماعات التي حضرتها أنه لا توجد مؤشرات على أن (الأمر يتعلق) بحكومة أو بنشاط أجنبي، لذلك علينا الإجابة على السؤال المنطقي: من (يقف وراء ذلك)"؟

من جانبها حثت السيناتور الديمقراطية إيمي كلوبوشار إدارة بايدن على عقد إحاطة لأعضاء مجلس الشيوخ لشرح ما يحدث.

وقالت كلوبوشار لشبكة (إيه.بي.سي نيوز): "نحن بحاجة إلى مزيد من الشفافية."

ودعت أيضا إلى إعادة النظر بالإجراءات المنظمة لامتلاك وتسيير طائرات الدرون في البلاد.

وأوضحت السناتور أنه في الوقت الحالي عليك تسجيل الطائرة المسيرة اذا تجاوز وزنها نصف رطل، وأن هناك جزاءات، حال لم تفعل ذلك.

الذئاب المنفردة

فجر أول أيام يناير، 2025، وثقت كاميرا مثبتة على جسم أحد أفراد الشرطة الأميركية لحظات محاصرة شمس الدين جبّار، منفّذ عملية الدهس في مدينة نيو أورلينز الأميركية، أثناء محاولته الهروب بينما تناثرت أجساد ضحاياه على الأرض من حوله.

تحوّلَ جبّار من رقيب سابق في الجيش الأميركي، إلى إرهابي قاتل لـ 14 ضحية، ساقتهم الأقدار  إلى شارع بوربون الشهير للاحتفال بليلة رأس السنة.

جبار ليس "الذئب المنفرد" الوحيد.

 في تحقيق لـ"الحرة تتحرى"، تقصت نسرين عجب تاريخ الظاهرة وواقعها، لتحذر من مستقبل ترسم فيه الذئاب صفحة مظلمة.

يروي عباس الداهوك، وهو عقيد سابق في الجيش الأميركي، في مقابلة مع الحرة، أن حياة جبار كانت مليئة بالمشكلات، وكانت لديه خطة لجمع عائلته في مكان واحد لارتكاب العنف ضد أفرادها. لكنه في اللحظة الأخيرة قرر العدول عن تنفيذ الخطة، وسلك طريقا مختلفا. 

قاد شاحنته، وعليها علم داعش، ليفتك بأبرياء عزّل في مدينة نيو أورلينز. لم يُستبعد ارتباطه بالتنظيم الإرهابي، لكن على الأرجح كان يتصرف كذئب منفرد.

صباح اليوم نفسه، على بُعد 1700 ميل إلى الغرب، أطل الإرهاب بوجهه البشع مرة أخرى.

أمام فندق يعود للرئيس دونالد ترامب، في مدينة لاس فيغاس، انفجرت شاحنة كهربائية، بعد انتحار مستأجرها ماثيو ليفلسبيرغر، الرقيب الأول في القوات الخاصة الأميركية. 

يقول كولن كلارك، الخبير في قضايا الإرهاب، إن هذا كان أشبه بعرض لجذب الانتباه إلى ما كان للأسف نوعا من التشتّت الذهني لشخص ربما كان يعاني بشدة من اضطراب ما بعد الصدمة.

ويضيف أنه بعد 20 عاما من تركيز ضيّق للغاية على نوع واحد من الإرهاب، وهو الإرهاب الجهادي، "أدركنا الآن أن الأمور أكثر تعقيدا".

يشير كلارك إلى مفهوم الذئب المنفرد، أي كيف يمكن لشخص ما، من دون مقدمات، أن يتحوّل في أي بقعة من العالم، إلى ذئب منفرد يتبربص بضحاياه الغافلين، ليفتك بهم وينشر الرعب.

الذئب المنفرد، بحسب وزارة العدل الأميركية، هو شخص ينفّذ بمفرده هجوما إرهابيا ضد مجتمع يكون هو جزءا منه، بدوافع سياسية أو دينية، ولغرض التأثير على الرأي العام، أو عملية صنع القرار السياسي. وقد يستلهم أفكاره من مجموعة أو شبكة معينة، ولكنه لا يكون خاضعا لقيادتها.

برنامج "الحرة تتحرى" يعود بملف الذئاب المنفردة إلى بدايات هذا النوع من الإرهاب، وكيف تنامى، ويعرض أبرز الهجمات، ودوافع منفذيها، والأيديولوجيات التي تبنوها، إضافة إلى شرح الكوامن النفسية التي تدفع شخصا ما عن سابق إصرار وترصّد، إلى قتل آخرين، يراهم غالبا للمرة الأولى، وهو يدرك أنه سيدفع حياته ثمنا لذلك.

بحسب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، يصعب في الغالب الكشف أو التنبؤ بهجمات الإرهابي الوحيد أو الذئب المنفرد، لأنك لا يمكن أن تراقب المجتمع بالكامل، كما أن الذئب المنفرد لا تظهر عليه أي علامات سابقة على تنفيذه الهجوم. 

في المقابل، يرى رامون سباي، وهو عالم اجتماع متخصص بظاهرة الذئاب المنفردة في ملبورن، أستراليا، أنه بمرور الوقت، أصبح إرهاب الذئاب المنفردة يشكّل نسبة أكبر بكثير من إجمالي الهجمات الإرهابية، وأن سياق هذه الهجمات، ورغم أن منفذيها أفراد، غالبا ما تكون نسخة متطرفة، أو تعبيرا عن الصراعات المجتمعية الأوسع الجارية في ذلك الوقت.

أما وائل سلامة، طبيب نفسي عمل على حالات لإرهابيين في السجون اللبنانية، فيؤكد أن هذه الحالات هي بلا شك نوع من البحث عن هوية.

"بالنسبة له (الذئب المنفرد) حتى عندما يتم قتله يصل إلى الغاية المنشودة، فالغاية الأساسية من الجريمة، أن يثبت قدراته".

قد يكون مصطلح "الذئاب المنفردة" حديث العهد، لكن فعل الهجوم الأحادي، ظهر قبل قرنين من الزمان.

يعود تاريخ الهجمات الأحادية، بحسب رامون سباي مؤلف كتابين عن إرهاب الذئاب المنفردة، إلى القرن التاسع عشر، لما يُعرف بإرهاب "الأناركية"، وهي تستند إلى فلسفة سياسية، وكان لديها استراتيجية تسمى "المقاومة القانونية"، و"الدعاية بالفعل".

وتتضمن استراتيجيتها ارتكاب أعمال عنف جماعي بشكل متفرق، وليس كجزء من مجموعة منظمة، من خلال قيام أفراد بشن هجمات عنيفة على مسؤولين حكوميين، رؤساء دول، وعائلات ملكية.

يشتق مصطلح الأناركية من الكلمة اليونانية "أنارخيا"، التي تعني بدون حاكم.

اكتسف فلسفة الأناركية شهرة في القرن التاسع عشر، ودعت إلى مجتمع بلا حكومة، أو هياكل هرمية.

في حديث مع "الحرة"، يقول ستيف كيليليا، مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام، الذي ينشر تقارير سنوية عن مؤشرات الإرهاب في العالم، إن مفهوم الذئب المنفرد، بدأ بالظهور فعليا في الفترة بين عامي 1870 و1930، مع حركة الأناركية في أوروبا والولايات المتحدة.وقد تكون إحدى أبرز هجمات هذه الحركة اغتيال الرئيس الأميركي، وليام ماكينلي، عام 1901.

أُعدم قاتل الرئيس، الأناركي ليون تشولغوش، بالكرسي الكهربائي، لكن هجمات الحركة استمرت على مدى عقود. وفي نهاية السبعينيات، شغل إرهابي مجهول الهوية السلطات الأميركية لسبعة عشر عاما كاملا.

وفق تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي أرسل هذا الشخص، أو سلّم باليد، سلسلة من القنابل التي كانت تزداد تطوراً، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أميركيين، وإصابة أكثر من عشرين آخرين. 

يخبر سباي فريق "الحرة تتحرى" أنه منذ التسعينيات، ومع صعود اليمين المتطرف، بدأت فعلياً استراتيجية الذئب المنفرد أو الفاعل المنفرد، واستُخدم المصطلح بشكل أكثر تحديدا وانتشارا بواسطة نشطاء اليمين خاصة المتطرفين منهم.

وظهر كثير من "الذئات المنفردة" يضيف سباي، في صفوف اليمين المتطرّف، وذلك نتيجة استراتيجية تسمى "المقاومة بلا قائد"، وهي طريقة لمنع اختراق أو تفكيك جماعة أو منظمة من قبل وكالات إنفاذ القانون، وهي أيضا وسيلة لحماية القيادة، من خلال جعل الأشخاص يتصرفون بشكل فردي، فإذا تم القبض عليهم، فلن يكون لديهم تفاصيل عن الشبكة أو المخطط الأكبر.

لا يقتصر وجود الإرهاب على طريقة الذئاب المنفردة على الولايات المتحدة، بل يمتد عبر الأطلنطي إلى القارة العجوز.

بحسب ستيف كيليليا مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام في أستراليا، فإن عددا من الدول التي لم تتعرض لهجمات في السنوات الخمس الأخيرة، شهد عام 2024 ثماني هجمات ذئاب منفردة في السويد. وفي كل من فنلندا وهولندا والدنمارك وقع هجومان، وتصاعدت الهجمات من هذا النوع في دول أخرى مثل النرويج.

أما ألمانيا، فمن أكثر الدول الغربية تعرضا للإرهاب، ومنها هجمات ذئاب منفردة. 

قبيل عيد الميلاد عام 2024، نفّذ طالب العبد المحسن، طبيب نفسي من أصول سعودية، عملية دهس في سوق مزدحم، في مدينة ماغديبورغ الألمانية، أدت إلى مقتل خمسة أشخاص، وإصابة مئات آخرين.

طبقا لتقارير متخصصة، 93 في المئة من الهجمات الإرهابية المميتة في الغرب خلال السنوات الخمس الماضية نفذت بواسطة "ذئاب منفردة". فما الذي يجذبهم إلى هذا الأسلوب دون سواه؟ 

يجيب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، بأن الأسهل هي هجمات الذئاب المنفردة لأنها طبعا أصعب في الكشف والتوقع. ويعني أنها يمكن أن تحدث في أي وقت وأي مكان، "أما الهجمات المنسقة فتحتاج للموارد، وتأخذ وقتا طويلا في التجهيز والتخطيط والتنفيذ".

قد يبدو الفعل بعدائيته نابعا من قوة، إلا أن علم النفس له رأي آخر.

في الجزء الأكبر منه هو ناتج عن عقدة نقص "دائما ما تدفع بالشخص ليبالغ بردة الفعل"، ، يقول وائل سلامة، الطبيب النفسي، فمن ناحية المجرم أو الإرهابي فهو "يريد أن يضخم بجريمته لتضخيم ردة الفعل وبالتالي يغذي عقدة النقص الموجودة لديه".

يخبر رامون سباي "الحرة" أن ما لاحظه في كثير من حالات الذئاب المنفردة التي درسها هو أنه "بمرور الوقت يحدث تحوّل حقيقي في هويتهم"، فيرون ارتكاب العنف عملا ثوريا يمنحهم شعورا بالوجود والأهمية،  ... والإحساس القوي بالاستقامة الأخلاقية والتصرّف باسم الحق والخير"، رغم أن ما يقومون به هو فعل إجرامي ضحاياه في الغالب أناس أبرياء يُستهدفون بينما هم منشغلون بشؤونهم اليومية.