ملف الهجرة الأبرز في إدارة ترامب المقبلة. أرشيفية
ملف الهجرة الأبرز في إدارة ترامب المقبلة. أرشيفية

قد يشهد عام 2025 تحولا غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر. قبل ثماني سنوات، بدأت ولاية ترامب الأولى بأزمات وصراعات داخلية، ومع بداية ولايته الثانية، يبدو أن الجدل سيستمر، لكن الفوضى قد تتراجع لصالح نظام أكثر استقرارا وولاء.

في الأفق، تبرز أولويتان رئيسيتان: عمليات الترحيل والرسوم الجمركية. فهل سيكون هذا التغيير في صالح أميركا أم سيزيد من الانقسامات؟

هذه الأولويات بحثها برنامج "داخل واشنطن" الذي يقدمه، روبرت ساتلوف في حلقته الأسبوعية.

خيارات الرئيس المنتخب دونالد ترامب للمناصب العليا، قد يواجه بعضها المتاعب مثل تولسي غابارد والتي تم اختيارها لمنصب مديرة الاستخبارات الوطنية وهو منصب أمني بالغ الأهمية يتولى التنسيق بين الوكالات الاستخبارية المتعددة للقيام بوظائفها، تم استحداثه بعد الحادي عشر من سبتمبر، على ما يقول دانيال ليبمان وهو صحفي متخصص بتغطية الشؤون السياسية الأميركية في صحيفة "بوليتيكو".

ويوضح ليبمان أن غابارد تعرضت لانتقادات كثيرة من أعضاء الكونغرس ومن المؤسسة الأمنية الوطنية لترديدها نقاط حديث روسية عن نفوذ أميركا في العالم وسبب غزو روسيا لأوكرانيا، كم أنها التقت بشار الأسد، ديكتاتور سوريا المخلوع، فيما يفضل معظم أعضاء الكونغرس النأي بأنفسهم عن هذا النوع من الديكتاتوريين. أما في اجتماعات الكونغرس، فلم تثر إعجاب العديد من أعضاء مجلس الشيوخ بمعرفتها بقضايا الاستخبارات والأمن، لذا فقد تواجه معركة صعبة.

وأشار إلى أن غابارد ديمقراطية سابقة لذا قد لا تحظى بتعاطف الكثير من الجمهوريين المتعصبين في حال فشلها.

ويرى ديفيد هوكينغز، المحرر الرئيسي في صحيفة "ذا أميركان ليدر" أن بيت هيغسيث يمكن أن يلقى ترحيبا ضعيفا خلال جلسات الاستماع، ورغم أنه كان في موقف ضعيف قبل بضعة أيام، إلا أن فريق ترامب أطلق العنان للدعم الشعبي له وأثار مخاوف بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين المشككين.

أما بشأن ملف الهجرة والترحيل، قالت آنا غياريتيلي، وهي مراسلة شؤون الهجرة والأمن القومي في موقع "واشنطن إكزامينر" إنها أجرت مقابلة مع توم هومان، قيصر الحدود في إدارة ترامب المقبلة مؤخرا، وأخبرها أنهم يخططون للبد منذ اليوم الأول، أي منذ العشرين من يناير لعملات الترحيل الفعلي وليس التخطيط فقط.

وأضافت لها أن التنفيذ سيكون على المستوى الوطني وليس فقط في مدن الملاذ حيث يسكن حاليا أغلب الأشخاص من أصحاب السجلات الإجرامية بحسب تقديراتهم، إذ ينوون البدء بترحيل الأشخاص الذين لديهم تاريخ إجرامي، وهذا لا يعني بالضرورة المجرمين المدانين، بل الأشخاص الذين تم اعتقالهم وتوجيه التهم لهم لكن لم تصدر أحكام بإدانتهم بعد. إضافة إلى 1.4 مليون شخص الذين أصدر قاضي هجرة أوامر بترحيلهم لكن لم يتم إخراجهم من البلاد حتى الآن.

وقالت غياريتيلي إنه لو جمعنا أصحاب السجلات الجرمية مع 1.4 شخص، نحن نتحدث عن حوالي مليوني شخص، وهو رقم كبير لكنه لا يشكل سوى 15-20 في المئة من مجموع الأشخاص الذين يعتقد أنهم غير موثقين حاليا.

وزدات أن الولايات المتحدة فعليا من الناحية الإدارية غير مستعدة لعمليات الترحيل. فمن أجل اعتقال شخص واحد، شاركت مرة مع وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك وشاهدت أنهم يقضون أسابيع في تعقب ذلك الشخص في محاولة لمعرفة جدوله، ثم اصطحاب 6 أو 7 ضباط للقبض على الشخص في أسهل مكان ممكن، وهذا قد يتطلب ساعات.

لذا عندما نتحدث عن مليوني شخص، سيكون من الصعب زيادة العدد إلى 10 آلاف شخص، لكن مليونين هو رقم ضخم، لذا لست متأكدة من كيفية تحقيق ذلك. كما أنهم يبحثون عن وسائل لاحتجاز الناس، فإن كانوا سيعتقلونهم فعليهم وضعهم في أماكن احتجاز. لا تملك وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك السلطة لترحيل الناس ببساطة، فكل فرد سيتاح له المثول أمام قاضي هجرة سيقرر بعدها ما إذا كان يجب ترحيل هذا الشخص أم لا. وحينها تنفذ وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك القرار. إذن فنحن نتحدث عن عملية طويلة والكثير من الإجراءات والتعقيدات، التي لا أعتقد أن إدارة ترامب مستعدة لها. وستحتاج بالتأكيد إلى المزيد من التمويل من الكونغرس.

من جانبه يعتقد ليبمان أن المتشددين في مسألة الهجرة سيصابون بخيبة أمل ما لم يتمكن من إخراج كل مهاجر غير قانوني من البلاد، وهو امر غير واقعي. لذا فهم يقولون إنهم سيعطون الأولوية لأصحاب السجلات الإجرامية وليس لمجرد خرق القانون بالدخول إلى البلاد بصورة غير شرعية. لكن إذا أجرينا موجة ضخمة من الترحيلات فإن هذا سيضر حتما بالاقتصاد.

وأشار إلى أن هذا ما يقوله مستشارو ترامب الاقتصاديون له باستمرار وأخبروه منذ اليوم الأول من وجوده في الحياة العامة، إن الكثير من هؤلاء الأشخاص يمثلون العمود الفقري لأعمال تنسيق الحدائق وبناء المنازل في أميركا، لدينا نقص في المنازل في البلاد وهو أمر يثير مخاوف الجميع من كافة الأطياف السياسية.

وكذلك قطاع الضيافة وقطاع المطاعم حيث يعمل الكثير منهم في تنظيف الصحون، فإذا رغب الكثير من الأميركيين بالخروج لتناول الطعام أو الحصول على فواكه طازجة أو أفوكادو من كاليفورنيا، فقد ترتفع الأسعار لصعوبة الحصول عليها، ولأنهم سينفقون مبالغ أكبر لتشغيل الأميركيين القانونيين بحسب ليبمان.

ديفيد هوكينغز، المحرر الرئيسي لصحيفة "ذا أميركان ليدر" قال إن إدارة ترامب في الأشهر الستة الأولى من توليه منصبه سيبحثون كل شيء يتعلق بالسياسات العامة، وسيكون هناك تركيز عل كل شيء في كل مكان في آن واحد.

وأضاف أن ترامب يعتقد أن لديه تفويضا، لكنه يبدو كرئيس عائد على عجلة من أمره، وأظن أنه سيتصرف بسرعة في العديد من الأمور، كأجندته الاقتصادية والرسوم الجمركية ومحاولة حمل الكونغرس على تمرير مشروعي قانون للموازنة وليس واحداً، هما التسوية والإعفاء الضريبي، وسيأمل أن قيامه بكل هذه الأمور الجديدة بسرعة سيغطي على الجوانب الأقل نجاحا.

ويتفق هوكينغز بأن مسألة الترحيل الجماعي ليست عملية، فهي مجرد أوهام، لا يمكننا التخلص من 3 في المئة من سكان الولايات المتحدة إطلاقا، هذا لن يحدث أبدا.

وعلى صعيد متصل لا تتوقع غياريتيلي أن يفرض ترامب حظرا على دخول مواطنين من دول ذات أغلبية مسلمة كما حصل في إدارته الأولى.

وقالت "نتوقع حدوثه بطرق أخرى. ما نتوقعه هو إعادة الرئيس ترامب لبرنامج (ابقوا في المكسيك)، وهو برنامج أنشأه يفرض على طالبي اللجوء العيش في المكسيك ومواصلة السكن فيها، في الخيام والمعسكرات المقامة قرب الحدود، في انتظار دورهم للمثول أمام قاض أميركي، بدلا من إدخال هؤلاء الأشخاص للبلاد وانتظارهم موعد المحكمة لسنوات".

كما تتوقع غياريتيلي أن يقوم ترامب بإلغاء استخدام تطبيق الهاتف الذي يستخدمه المهاجرون في المكسيك لتحديد مواعيد مع ضباط الجمارك والمهاجرون في البلاد البعيدة لدخول البلاد والسماح لهم بالسفر بالطائرة. أي أننا سنشهد تضييقا على من سيدخلون الولايات المتحدة بالتأكيد، لكن ليس بالطريقة التي اتبعها قبل ثمان سنوات.

وقال ترامب في حملاته الانتخابية إنه يرغب في إنهاء الحرب خلال إدارته، وترى غياريتيلي أن الرئيس المنتخب يواجه ضغطا كبيرا من الجمهوريين حتى لا يدع أوكرانيا تتحول إلى نسخة أخرى من أفغانستان وهو ضغط متواصل.

ويرى ليبمان أن وعود ترامب في إنهاء الحرب مبكرا في أوكرانيا، قد تتحقق في وقت أبكر على الأرجح مما كان سيحدث مع كامالا هاريس التي كانت تعطي وعودا مطلقة دون الحديث عن التفاوض مع الرئيس الروسي. أما ترامب فهو يعتبر نفسه المفاوض الأكثر براعة في العالم وأنه يستطيع إبرام صفقة بين أوكرانيا وروسيا سريعا.

وزاد أن "هذا بالنسبة لخبراء السياسة الخارجية بواشنطن فإن هذا يعني إجبار الأوكرانيين على التوسل من أجل السلام، وترك روسيا تعيد بناء جيشها على مدار السنوات القليلة القادمة لتعيد المحاولة بعد بضع سنوات".

كما أن ترامب بحسب ليبمان يواجه صفقة صعبة في الشرق الأوسط فيما يتعلق بوقف إطلاق النار في غزة، لأن بنيامين نتانياهو، الزعيم الإسرائيلي يريد إبقاء القوات الإسرائيلية في غزة ولا يريد أن تتولى قوة عربية تحديدا، أو السلطة الفلسطينية السيطرة على تلك المنطقة محل النزاع. لذا من المرجح أن نشهد تراجعا في حدة الحرب هناك لفترة. وسيكون من اللافت رؤية رد فعل الناخبين الأميركيين من أصول عربية تجاه ذلك، لأنهم وجهوا ضربة قوية لجو بايدن وهاريس من خلال تحولهم نحو ترامب بأعداد قليلة لأنهم كانوا غاضبين مما قدمه بايدن دعم لإسرائيل خلال العام الماضي.

وتعتقد غياريتيلي أن الزيارة الأولى لترامب قد تكون للرئيس الصيني شي جين بينغ. وبقدر ما قام ترامب بشيطنة الصين سواء بسبب فايروس كورونا أو غيرها من الأمور على مدى سنوات، إلا أنه مستعد لعقد الصفقات، والرئيس الصيني يدرك أن اللقاءات وجهاً لوجه هي الطريقة الأفضل لذلك.

أما ليبمان يرجح أن خيار زيارات ترامب الخارجية قد ينحصر بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو.

الذئاب المنفردة

فجر أول أيام يناير، 2025، وثقت كاميرا مثبتة على جسم أحد أفراد الشرطة الأميركية لحظات محاصرة شمس الدين جبّار، منفّذ عملية الدهس في مدينة نيو أورلينز الأميركية، أثناء محاولته الهروب بينما تناثرت أجساد ضحاياه على الأرض من حوله.

تحوّلَ جبّار من رقيب سابق في الجيش الأميركي، إلى إرهابي قاتل لـ 14 ضحية، ساقتهم الأقدار  إلى شارع بوربون الشهير للاحتفال بليلة رأس السنة.

جبار ليس "الذئب المنفرد" الوحيد.

 في تحقيق لـ"الحرة تتحرى"، تقصت نسرين عجب تاريخ الظاهرة وواقعها، لتحذر من مستقبل ترسم فيه الذئاب صفحة مظلمة.

يروي عباس الداهوك، وهو عقيد سابق في الجيش الأميركي، في مقابلة مع الحرة، أن حياة جبار كانت مليئة بالمشكلات، وكانت لديه خطة لجمع عائلته في مكان واحد لارتكاب العنف ضد أفرادها. لكنه في اللحظة الأخيرة قرر العدول عن تنفيذ الخطة، وسلك طريقا مختلفا. 

قاد شاحنته، وعليها علم داعش، ليفتك بأبرياء عزّل في مدينة نيو أورلينز. لم يُستبعد ارتباطه بالتنظيم الإرهابي، لكن على الأرجح كان يتصرف كذئب منفرد.

صباح اليوم نفسه، على بُعد 1700 ميل إلى الغرب، أطل الإرهاب بوجهه البشع مرة أخرى.

أمام فندق يعود للرئيس دونالد ترامب، في مدينة لاس فيغاس، انفجرت شاحنة كهربائية، بعد انتحار مستأجرها ماثيو ليفلسبيرغر، الرقيب الأول في القوات الخاصة الأميركية. 

يقول كولن كلارك، الخبير في قضايا الإرهاب، إن هذا كان أشبه بعرض لجذب الانتباه إلى ما كان للأسف نوعا من التشتّت الذهني لشخص ربما كان يعاني بشدة من اضطراب ما بعد الصدمة.

ويضيف أنه بعد 20 عاما من تركيز ضيّق للغاية على نوع واحد من الإرهاب، وهو الإرهاب الجهادي، "أدركنا الآن أن الأمور أكثر تعقيدا".

يشير كلارك إلى مفهوم الذئب المنفرد، أي كيف يمكن لشخص ما، من دون مقدمات، أن يتحوّل في أي بقعة من العالم، إلى ذئب منفرد يتبربص بضحاياه الغافلين، ليفتك بهم وينشر الرعب.

الذئب المنفرد، بحسب وزارة العدل الأميركية، هو شخص ينفّذ بمفرده هجوما إرهابيا ضد مجتمع يكون هو جزءا منه، بدوافع سياسية أو دينية، ولغرض التأثير على الرأي العام، أو عملية صنع القرار السياسي. وقد يستلهم أفكاره من مجموعة أو شبكة معينة، ولكنه لا يكون خاضعا لقيادتها.

برنامج "الحرة تتحرى" يعود بملف الذئاب المنفردة إلى بدايات هذا النوع من الإرهاب، وكيف تنامى، ويعرض أبرز الهجمات، ودوافع منفذيها، والأيديولوجيات التي تبنوها، إضافة إلى شرح الكوامن النفسية التي تدفع شخصا ما عن سابق إصرار وترصّد، إلى قتل آخرين، يراهم غالبا للمرة الأولى، وهو يدرك أنه سيدفع حياته ثمنا لذلك.

بحسب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، يصعب في الغالب الكشف أو التنبؤ بهجمات الإرهابي الوحيد أو الذئب المنفرد، لأنك لا يمكن أن تراقب المجتمع بالكامل، كما أن الذئب المنفرد لا تظهر عليه أي علامات سابقة على تنفيذه الهجوم. 

في المقابل، يرى رامون سباي، وهو عالم اجتماع متخصص بظاهرة الذئاب المنفردة في ملبورن، أستراليا، أنه بمرور الوقت، أصبح إرهاب الذئاب المنفردة يشكّل نسبة أكبر بكثير من إجمالي الهجمات الإرهابية، وأن سياق هذه الهجمات، ورغم أن منفذيها أفراد، غالبا ما تكون نسخة متطرفة، أو تعبيرا عن الصراعات المجتمعية الأوسع الجارية في ذلك الوقت.

أما وائل سلامة، طبيب نفسي عمل على حالات لإرهابيين في السجون اللبنانية، فيؤكد أن هذه الحالات هي بلا شك نوع من البحث عن هوية.

"بالنسبة له (الذئب المنفرد) حتى عندما يتم قتله يصل إلى الغاية المنشودة، فالغاية الأساسية من الجريمة، أن يثبت قدراته".

قد يكون مصطلح "الذئاب المنفردة" حديث العهد، لكن فعل الهجوم الأحادي، ظهر قبل قرنين من الزمان.

يعود تاريخ الهجمات الأحادية، بحسب رامون سباي مؤلف كتابين عن إرهاب الذئاب المنفردة، إلى القرن التاسع عشر، لما يُعرف بإرهاب "الأناركية"، وهي تستند إلى فلسفة سياسية، وكان لديها استراتيجية تسمى "المقاومة القانونية"، و"الدعاية بالفعل".

وتتضمن استراتيجيتها ارتكاب أعمال عنف جماعي بشكل متفرق، وليس كجزء من مجموعة منظمة، من خلال قيام أفراد بشن هجمات عنيفة على مسؤولين حكوميين، رؤساء دول، وعائلات ملكية.

يشتق مصطلح الأناركية من الكلمة اليونانية "أنارخيا"، التي تعني بدون حاكم.

اكتسف فلسفة الأناركية شهرة في القرن التاسع عشر، ودعت إلى مجتمع بلا حكومة، أو هياكل هرمية.

في حديث مع "الحرة"، يقول ستيف كيليليا، مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام، الذي ينشر تقارير سنوية عن مؤشرات الإرهاب في العالم، إن مفهوم الذئب المنفرد، بدأ بالظهور فعليا في الفترة بين عامي 1870 و1930، مع حركة الأناركية في أوروبا والولايات المتحدة.وقد تكون إحدى أبرز هجمات هذه الحركة اغتيال الرئيس الأميركي، وليام ماكينلي، عام 1901.

أُعدم قاتل الرئيس، الأناركي ليون تشولغوش، بالكرسي الكهربائي، لكن هجمات الحركة استمرت على مدى عقود. وفي نهاية السبعينيات، شغل إرهابي مجهول الهوية السلطات الأميركية لسبعة عشر عاما كاملا.

وفق تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي أرسل هذا الشخص، أو سلّم باليد، سلسلة من القنابل التي كانت تزداد تطوراً، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أميركيين، وإصابة أكثر من عشرين آخرين. 

يخبر سباي فريق "الحرة تتحرى" أنه منذ التسعينيات، ومع صعود اليمين المتطرف، بدأت فعلياً استراتيجية الذئب المنفرد أو الفاعل المنفرد، واستُخدم المصطلح بشكل أكثر تحديدا وانتشارا بواسطة نشطاء اليمين خاصة المتطرفين منهم.

وظهر كثير من "الذئات المنفردة" يضيف سباي، في صفوف اليمين المتطرّف، وذلك نتيجة استراتيجية تسمى "المقاومة بلا قائد"، وهي طريقة لمنع اختراق أو تفكيك جماعة أو منظمة من قبل وكالات إنفاذ القانون، وهي أيضا وسيلة لحماية القيادة، من خلال جعل الأشخاص يتصرفون بشكل فردي، فإذا تم القبض عليهم، فلن يكون لديهم تفاصيل عن الشبكة أو المخطط الأكبر.

لا يقتصر وجود الإرهاب على طريقة الذئاب المنفردة على الولايات المتحدة، بل يمتد عبر الأطلنطي إلى القارة العجوز.

بحسب ستيف كيليليا مؤسس ومدير معهد الاقتصاد والسلام في أستراليا، فإن عددا من الدول التي لم تتعرض لهجمات في السنوات الخمس الأخيرة، شهد عام 2024 ثماني هجمات ذئاب منفردة في السويد. وفي كل من فنلندا وهولندا والدنمارك وقع هجومان، وتصاعدت الهجمات من هذا النوع في دول أخرى مثل النرويج.

أما ألمانيا، فمن أكثر الدول الغربية تعرضا للإرهاب، ومنها هجمات ذئاب منفردة. 

قبيل عيد الميلاد عام 2024، نفّذ طالب العبد المحسن، طبيب نفسي من أصول سعودية، عملية دهس في سوق مزدحم، في مدينة ماغديبورغ الألمانية، أدت إلى مقتل خمسة أشخاص، وإصابة مئات آخرين.

طبقا لتقارير متخصصة، 93 في المئة من الهجمات الإرهابية المميتة في الغرب خلال السنوات الخمس الماضية نفذت بواسطة "ذئاب منفردة". فما الذي يجذبهم إلى هذا الأسلوب دون سواه؟ 

يجيب أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، بأن الأسهل هي هجمات الذئاب المنفردة لأنها طبعا أصعب في الكشف والتوقع. ويعني أنها يمكن أن تحدث في أي وقت وأي مكان، "أما الهجمات المنسقة فتحتاج للموارد، وتأخذ وقتا طويلا في التجهيز والتخطيط والتنفيذ".

قد يبدو الفعل بعدائيته نابعا من قوة، إلا أن علم النفس له رأي آخر.

في الجزء الأكبر منه هو ناتج عن عقدة نقص "دائما ما تدفع بالشخص ليبالغ بردة الفعل"، ، يقول وائل سلامة، الطبيب النفسي، فمن ناحية المجرم أو الإرهابي فهو "يريد أن يضخم بجريمته لتضخيم ردة الفعل وبالتالي يغذي عقدة النقص الموجودة لديه".

يخبر رامون سباي "الحرة" أن ما لاحظه في كثير من حالات الذئاب المنفردة التي درسها هو أنه "بمرور الوقت يحدث تحوّل حقيقي في هويتهم"، فيرون ارتكاب العنف عملا ثوريا يمنحهم شعورا بالوجود والأهمية،  ... والإحساس القوي بالاستقامة الأخلاقية والتصرّف باسم الحق والخير"، رغم أن ما يقومون به هو فعل إجرامي ضحاياه في الغالب أناس أبرياء يُستهدفون بينما هم منشغلون بشؤونهم اليومية.