مروحية
مروحية إطفاء الحرائق في لوس أنجلوس كاليفورنيا، الأربعاء 15 يناير 2025- رويترز

رياح صحراء عوت تلك الليلة، رياح سانتا آنا. جافة، حارة، تعبر الجبال إلى شعر رأسك، لتشعل فوضى في روحك وحكة في جلدك.

في ليال كتلك، يترك الندامى خمرتهم ويتقاتلون، والزوجات الوديعات يتحسسن أنصال سكاكينهن، ويرمقن رقاب أزواجهن، متأهبات. 

قد يحدث أي شيء في ليال كهذه.

هكذا يصف ريموند شاندلر، في مجموعته القصصية "الرياح الحمراء"، إحدى ليالي كاليفورنيا حين تهب عليها رياح سانتا آنا؛ 

التي بقوتها امتدت حرائق لوس أنجلوس إلى الأحياء السكنية في المقاطعة، وقتلت، حتى الأربعاء، 24 شخصا على الأقل.

وطال الدمار الجزئي أو الكليّ أكثر من 12 ألف مبنى، وأجلت السلطات أكثر من 300 ألف شخص من منازلهم.

وصعّبت سانتا آنا محاولات السيطرة على الحرائق لأنها رياح، إن مسّت عشبا يابسا أو شجرا جافا، فذلك إيذان بوقوع كارثة.

ومثل شاندلر، استحضر كتّاب آخرون في أعمالهم مرويّات شعبية وأساطير عن "نذير الشؤم": سانتا آنا.

رياح الشيطان

هناك اعتقاد بأن أصل "سانتا آنا" متجذر في لغة السكان الأصليين ويعني الرياح. ورأى فيه المبشرون الإسبان الأوائل معنى شريرا نظرا للتشابه بين كلمة "Santa" وكلمة شيطان "Satan"، لهذا سُميت رياح سانتا آنا، أيضا، بـ"رياح الشيطان".

ويذهب آخرون إلى أن أصل الاسم مقدس وليس شيطانيا.

في يوم من أيام القديسة آنا، عام 1769، هبت الرياح على بعثة إسبانية استكشافية كانت تخيم في مقاطعة أورانج الحالية في لوس أنجلوس، فقرر قائد البعثة، غاسبار دو بورتولا، أن يسمي الرياح باسم القديسة.

ويقترن الاسم، لدى آخرين، باسم الدكتاتور المكسيكي أنطونيو لوبيز دي سانتا (1794-1876).

يتذكره المكسيكيون بوصفه الخائن، الذي خسر أكثر من نصف أراضي بلده إلى الولايات المتحدة.

لكن العلماء اتفقوا، بعد بحث، أن الاسم مشتق من وادي سانتا آنا؛ البوابة التي يغادر منها نهر سانتا آنا نحو مقاطعة أورانج.

جفاف مثير للأعصاب

حتى من دون حرائق، لم تكن سانتا آنا يوما رفيقة بالبشر.

الجفاف، زيادة الكهرباء الساكنة التي توقف شعر الرأس، تشقق الشفاه، تشقق الجلد بشكل عام، وحالة من الكآبة تطغى على الأجواء، أينما حضرت سانتا آنا.

هبوبها الصاخب، بالنسبة للسكان المحليين، نذير شؤم يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

من الصعب على الأشخاص الذين لم يعيشوا في لوس أنجلوس أن يدركوا مدى تأثير رياح سانتا آنا في خيال الناس المحليين، تقول الكاتبة جوان ديديون.

"كأنها تعرف فصل الخريف في جنوب كاليفورنيا،" تضيف الكاتبة، "تضرب المنازل والسيارات وتحمل الغبار والحطام". 

رغم ذلك، قد تشكل فرصة لراكبي الأمواج في المحيط الهادئ، ويشعر آخرون بأن الصيف قد تمدد.

رجل إطفاء وسط نيران الحرائق في لوس أنجلوس- رويترز

في كتاب "الانزلاق لبيت لحم"، تصف ديديون المزاج العام لكاليفورنيا في السيتينات.

"العنف وعدم التنبؤ برياح سانتا آنا يؤثر على جودة الحياة في لوس أنجلوس، ويكشف عدم استقرارها، وعدم موثوقيتها". 

"الرياح تُظهر لنا كم نحن قريبون من الحافة،" تقول.

تجعل سانتا آنا كاليفورنيا مكانا "قاسيا" مسكونا بالهواجس التي تثيرها رياح سانتا آنا إذ تعوي عبر الممرات بسرعة 100 ميل في الساعة.

"تزعج الأشجار وتثير على الأعصاب". 

حين تحضر يصبح التنفس صعبا وتشتعل التلال من ذاتها. 

"يبدو أن كل صوت صراخا. إنه موسم الانتحار والطلاق والخوف الحارق، حيثما هبت الرياح"، تتابع ديديون.

ويصف دين كونتز مشهدا داخل أحد البيوت في كاليفورنيا أثناء هبوب سانتا آنا، في روايته "الزوج" على نحو كابوسي.

"كان التنفس المتعجل، والهمسات، والتنهدات الجائعة ترتفع من كل فتحة في العلية، كما لو أن العلية كانت قفصا للكناري والريح قطة جائعة".

ويتابع "كانت هذه هي الطبيعة المقلقة لرياح سانتا آنا التي أثارت حتى العناكب، التي تحركت بشكل غير هادئ على شبكاتها". 

الضحايا 

الأطفال، وكبار السن، والأشخاص المصابون بأمراض تنفسية أو قلبية، والأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة، ضحايا سانتا آنا في الغالب.

معهم تكون التأثيرات أكثر شدة، مثل صعوبة التنفس، والصفير، والسعال، والتعب، وآلام الصدر.

لن يقتصر إرث سانتا آنا على تدمير البيئة والصحة، ولن تقتصر آثار رياحها على أساطير القلق والعنف التي ينسجها الواقع فتلتبس بالخيال.

بعد حرائق هذا العام، ستضيف سانتا آنا فصلا جديدا إلى تاريخ كاليفورنيا الملتهب، وسيجد الكتاب إلهاما جديدا لإعادة نسج  المأساة على وقع غضب الطبيعة.

"الحرة" تناضل من أجل البقاء
"الحرة" تناضل من أجل البقاء

في مبنى متقشف في سبرينغفيلد، في ولاية فرجينيا، فرغت مكاتب كانت حتى وقت قريب تضج بالحياة، وأظلمت استوديوهات قناة "الحرة" - التي نقلت صوت الحقيقة لأكثر من عقدين إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - إلا من بصيص أمل.

وبعد 22 عاما من الصحافة الناطقة بالعربية، الملتزمة بالقيم الأميركية، والموجهة إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أجبرت شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) على تقليص حاد لبثها التلفزيوني والرقمي، ليس بسبب مواجهة اعتادت على خوضها مع أجهزة التضليل المنظم، والقوى الدعائية المعادية للولايات المتحدة، بل نتيجة خنق بيروقراطي داخلي.

وأعلنت MBN اليوم السبت عن تسريحات جماعية، تم فيها تقليص عدد الموظفين بشكل حاد وتقليص العمليات بشكل كبير. ووفقا لإدارتها، لم يكن هذا القرار خيارا بل إجبارا.

وقال الدكتور جيفري غدمين، الرئيس والمدير التنفيذي للشبكة، في بيان رسمي صدر السبت: 

"لم يُترك لنا أي خيار... وافق الكونغرس على تمويلنا في 14 مارس. لكن في اليوم التالي، تم تجميد هذا التمويل بشكل مفاجئ وغير قانوني من قبل ما يسمى بـ(وزارة الكفاءة الحكومية) وكاري ليك، المستشارة الخاصة للوكالة التي تشرف علينا".

يؤكد غدمين أن الوكالة الأميركية للإعلام الدولي (USAGM) هي المسؤولة المباشرة عن هذه الأزمة. ورغم أن التمويل تم تخصيصه رسميا من قبل الكونغرس، إلا أن الوكالة ترفض صرفه، دون تفسير أو تواصل مباشر. "كاري ليك ترفض مقابلتنا أو حتى التحدث معنا"، يقول غدمين. "تُركنا لنستنتج أنها تنوي خنقنا ماليا".

ما تبقى من الشبكة الآن هي مجموعة مصغّرة، تقاتل من أجل البقاء.

وقال السفير السابق رايان كروكر، رئيس مجلس إدارة الشبكة بالوكالة: "MBN كنز من المواهب والخبرة وذخر استراتيجي للأمن القومي الأميركي... ما يجري الآن ببساطة غير منطقي".

ويصل بث MBN، التي تأسست عام 2003، إلى أكثر من 30 مليون مشاهد أسبوعيا في 22 دولة عربية.

ساحة معركة إعلامية

"الشرق الأوسط ساحة معركة إعلامية ضخمة"، يقول المحلل الاستراتيجي إيلان بيرمان، وهو عضو في مجلس إدارة MBN.

فمن طهران إلى الدوحة، ومن موسكو إلى بيروت، تتسابق قوى إقليمية ودولية في ضخ السرديات الدعائية عبر التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تقويض صورة الولايات المتحدة، وتعزيز التشكيك، وتأجيج المشاعر المعادية للغرب.

وفي هذه البيئة المتوترة، كانت MBN تمثل نقيضا نادرا: وسيلة إعلامية موثوقة، تُدار بمعايير مهنية، وتغطي قضايا حقوق الإنسان، والحوكمة، والسياسة الأميركية، بلغة وأصوات مألوفة لدى الجمهور العربي.

"هذا انتحار استراتيجي"، يقول غدمين. "في الوقت الذي تكسب فيه حماس وحزب الله والحوثيون والنظام الإيراني مساحات على مستوى السرد الإعلامي، نحن نسحب صحفيينا عن الهواء. هذا ليس فقط قصورا في الرؤية... إنه استسلام".

لكن لماذا ترفض USAGM الإفراج عن التمويل؟ لا أحد يجيب. ترفض كاري ليك، السياسية السابقة من أريزونا، التعليق. و"وزارة الكفاءة الحكومية"، التي تم إنشاؤها مؤخرا وسط ضجة سياسية، لم تصدر أي توضيحات. ويقول غدمين إن الشبكة تلجأ الآن إلى القضاء والكونغرس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وكانت MBN قد مرت في عملية هيكلة وتطوير، العام الماضي، وفرت 20 مليون دولار أميركي على دافع الضرائب دون تقويض جهودها في إعادة موضعة ذاتها كصوت أميركي فعال في الفضاء الرقمي الناطق بالعربية.

خسائر غير قابلة للقياس

داخل الشبكة، تأتي التسريحات كضربة شخصية ومهنية. كثير من الصحفيين والمحررين العاملين فرّوا من القمع في بلدانهم الأصلية، ليجدوا في MBN مساحة للتعبير والعمل بحرية. غطوا قصصا لا يمكن تغطيتها في بلدانهم — من حقوق النساء في السودان إلى الاحتجاجات في إيران والفساد في العراق.

الآن، ومع غياب منصتهم، قد لا تُروى تلك القصص أبدا.

يقول غدمين: "الإعلام في الشرق الأوسط يتغذى على مشاعر العداء لأميركا... من غير المنطقي قتل MBN كبديل عقلاني، وترك الساحة خالية أمام المتطرفين وأعداء أميركا".

وبينما تصقل شبكات التضليل المنظم في العالم العربي أدواتها الرقمية والبصرية، تتراجع أميركا بهدوء عن ساحة المعركة الإعلامية التي ساعدت في بنائها.

وكتب بيرمان في تحليل لمجلة جي أس تريبيون: "الحرب الإعلامية في الشرق الأوسط ليست افتراضية... إنها معركة يومية وحقيقية، تزداد فعالية. وأميركا تتنازل عنها... شبرا بعد شبر".

وتصر إدارة MBN على مواصلة كفاحها من أجل البقاء بفريق صغير جدا يبقي شعلة الأمل والحقيقة حية في الفضاء الرقمي العربي.