"الصندوق الأسود" من أهم الأدلة الجنائية التي تساعد في معرفة سبب تحطم الطائرة
"الصندوق الأسود" من أهم الأدلة الجنائية التي تساعد في معرفة سبب تحطم الطائرة

يعد "الصندوق الأسود" من أهم الأدلة الجنائية التي تساعد المحققين على إعادة بناء الأحداث التي أدت إلى تحطم الطائرة.

وتتطلب إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) أن تكون الطائرات التجارية الكبيرة وبعض الطائرات التجارية الصغيرة والطائرات الخاصة مزودة بجهازين يعرف كل منهما بـ "الصندوق الأسود" لتسجيل المعلومات الخاصة بالرحلة.

الأول يعرف بـ CVR، وهو جهاز تسجيل الصوت في قمرة القيادة، والذي يسجل الإرساليات اللاسلكية والأصوات في قمرة القيادة، مثل أصوات الطيارين وضوضاء المحرك.

الثاني يعرف بـ FDR، وهو جهاز تسجيل بيانات الرحلة، والذي يراقب معلومات أخرى مثل الارتفاع، سرعة الهواء، واتجاه الطيران.

استعادت السلطات الأميركية الفيدرالية الصناديق السوداء من حطام طائرة الركاب والمروحية العسكرية في نهر بوتوماك في العاصمة واشنطن، وأسفر الحادث عن مقتل 67 شخصًا في أسوأ كارثة طيران في الولايات المتحدة منذ عام 2001.

كان جهاز تسجيل بيانات الرحلة الذي تم استرجاعه في حالة جيدة، ومن المتوقع أن يتم تحميل معلوماته قريبًا، بينما دخل الماء إلى جهاز تسجيل الصوت في قمرة القيادة، مما سيجعل عملية تحميل البيانات أكثر صعوبة.

يثبت "الصندوق الأسود" في الجزء الخلفي من الطائرة

فما هو الصندوق الأسود؟

يثبت الجهازان في الجزء الخلفي من الطائرة، بسبب متانة هيكل الطائرة وتصميمه المقاوم للحوادث، وفقًا لموقع المجلس الوطني لسلامة النقل NTSB.

يزود كل جهاز بمنارة تحديد تحت الماء ULB (جهاز التحديد الطارئ) تُفعّل عند غمرهما في الماء ويمكن أن ترسل إشارات من أعماق تصل إلى 4267 مترًا. وترسل هذه المنارات إشارة صوتية بتردد 37.5 كيلوهرتز يمكن اكتشافها باستخدام جهاز استقبال خاص.

ورغم أن البطارية التي تغذي المنارة ممكن أن تنفد بعد حوالي شهر واحد، إلا أنه لا يوجد تاريخ انتهاء محدد للبيانات نفسها.

تستخدم الأجهزة القديمة التقنية التناظرية وتخزين البيانات على شريط مغناطيسي، بينما تستخدم الوحدات الأحدث التكنولوجيا الرقمية وشرائح الذاكرة.

على سبيل المثال، تم العثور على صناديق سوداء لطائرة إير فرانس التي تحطمت في المحيط الأطلسي عام 2009 بعد عامين من الحادث من عمق يزيد عن 3000 متر، وتمكن الفنيون من استرجاع معظم المعلومات.

بعد وقوع أي حادث، يتم إزالة كلا الجهازين فورًا من موقع الحادث ونقلهما إلى مقر NTSB في العاصمة واشنطن لمعالجتهما.

وباستخدام أجهزة كمبيوتر ومعدات صوتية متطورة، يتم فحص الإلكترونيات والذاكرة، وإجراء الإصلاحات اللازمة، وفحص الشرائح تحت المجهر بغية استخراج المعلومات المخزنة وترجمتها إلى صيغة مفهومة.

إذا تم غمر الصندوق الأسود في مياه البحر، يعمل الفنيون على غمر الجهاز في المياه العذبة لغسل الملح المسبب للتآكل. وإذا تسرب الماء إلى الداخل، يجب تجفيف الجهاز بعناية لساعات أو حتى أيام لتجنب تلف شرائح الذاكرة.

ويستخدم المحقق المسؤول هذه المعلومات كأداة من بين العديد من الأدوات لمساعدة مجلس السلامة في تحديد السبب المحتمل للحادث.

"الصندوق الأسود" يسجل ويخزن بيانات مهمة حول الرحلة

ما الذي يفعله جهاز تسجيل الصوت في قمرة القيادة؟

يسجل هذا الجهاز أصوات أفراد الطاقم، بالإضافة إلى أصوات أخرى داخل قمرة القيادة.

يتم وضع "ميكروفون منطقة قمرة القيادة" للجهاز عادةً في اللوحة العلوية بين الطيارين. تشمل الأصوات التي تهم المحققين ضوضاء المحرك، تحذيرات التوقف، تمدد وانسحاب عجلات الهبوط، وأصوات النقر الأخرى.

من خلال هذه الأصوات، يمكن تحديد معلومات مهمة مثل سرعة دوران المحرك، فشل الأنظمة، السرعة، وقت حدوث بعض الأحداث. كما يتم تسجيل الاتصالات مع برج المراقبة، والإحاطات التلقائية بشأن الطقس عبر الراديو، والمحادثات بين الطيارين وطاقم الأرض أو الطاقم في المقصورة.

عادةً ما يتم تشكيل لجنة تتكون من أعضاء من المجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB)، وإدارة الطيران الفيدرالية (FAA)، ومشغل الطائرة، ومصنع الطائرة، ومصنع المحركات، ونقابة الطيارين للاستماع إلى التسجيل.

تقوم هذه اللجنة بإنشاء نسخة مكتوبة من تسجيل الصوت في قمرة القيادة ليتم استخدامها خلال التحقيق.

تُستخدم تسجيلات مراقبة الحركة الجوية التابعة لإدارة الطيران الفيدرالية مع الرموز الزمنية المرتبطة بها للمساعدة في تحديد الوقت المحلي لحدث أو أكثر أثناء تسلسل الحادث. 

يتم تطبيق هذه الأوقات على النص المكتوب، مما يوفر وقتًا محليًا لكل حدث في النص.

يمكن الحصول على توقيت دقيق للأحداث الحرجة باستخدام برامج تحليل الطيف الصوتي.

يتم التعامل مع تسجيلات CVR بشكل مختلف عن باقي المعلومات التي يتم الحصول عليها في التحقيق في الحادث.

نظرًا للطبيعة الحساسة للغاية للتواصل اللفظي داخل قمرة القيادة، فقد يطلب الكونغرس من مجلس السلامة عدم نشر أي جزء من التسجيل بسبب هذه الحساسية.

يمكن نشر النص المكتوب، الذي يحتوي على جميع الأجزاء المهمة من التسجيل، للجمهور خلال جلسة الاستماع العامة لمجلس السلامة.

يلعب "الصندوق الأسود" دورًا مهما في تحديد السبب المحتمل للحادث

ما الذي يفعله جهاز تسجيل بيانات الرحلة؟

يسجل جهاز تسجيل بيانات الرحلة (FDR) العديد من الظروف التشغيلية المختلفة للرحلة. فوفقًا للوائح، يجب على الطائرات الجديدة أن تراقب على الأقل 88 معلومة هامة مثل الوقت، الارتفاع، سرعة الهواء، الاتجاه، وزاوية الطائرة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لبعض أجهزة FDR تسجيل أكثر من 1000 خاصية أخرى للطيران التي يمكن أن تساعد في التحقيق، مثل وضع الأجنحة إلى وضعية الطيار الآلي أو حتى أجهزة إنذار الدخان.

بمساعدة البيانات المستخرجة من جهاز FDR، يمكن لمجلس السلامة انتاج فيديو باستخدام الكمبيوتر حول مسار وظروف الرحلة. يمكن للمحقق بعدها تصور وضع الطائرة، قراءات الأدوات، إعدادات الطاقة وخصائص أخرى للرحلة.

تتيح هذه الرسوم المتحركة لفريق التحقيق تصور اللحظات الأخيرة من الرحلة قبل الحادث.

لقد أثبت كل من جهاز تسجيل بيانات الرحلة وجهاز تسجيل الصوت في قمرة القيادة أنهما أدوات قيمة في عملية التحقيق في الحوادث، إذ يمكنهما توفير معلومات قد يكون من الصعب أو المستحيل الحصول عليها بوسائل أخرى.

وعند استخدامهما جنبًا إلى جنب مع المعلومات الأخرى المستخلصة من التحقيق، يلعبان دورًا متزايد الأهمية في تحديد السبب المحتمل للحادث.

يعود اختراع الصندوق الأسود الى ثلاثينيات القرن الماضي

من أخترع هذه الأجهزة ؟

من أيام الفيلم الفوتوغرافي الأولى إلى عصر الذاكرة الصلبة المتطورة، شهدت تكنولوجيا مسجلات الرحلات تطورًا ملحوظًا.

وقد أسفر هذا التقدم عن زيادة كبيرة في الموثوقية وسلامة البيانات، فضلاً عن تحسين إمكانيات الوصول والتحليل، مما يضمن أن كل جزء من المعلومات المسجلة يمكن فحصه بدقة للحصول على رؤى مفيدة.

ومنح الفضل في اختراع الجهاز لشخصين على الأقل.

وفقًا لموقع شركة إيرباص الأوروبية لصناعة الطائرات، تعود أصول مسجلات الرحلات إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما بدأ المهندس الفرنسي فرانسوا هوسينو العمل على جهاز تسجيل بيانات مزود بأجهزة استشعار تقوم بإسقاط حوالي عشرة معلومات على فيلم فوتوغرافي.

كان هذا الفيلم يعمل باستمرار داخل صندوق محكم ضد الضوء، ومن هنا جاء اسم "الصندوق الأسود"، الذي ظل يستخدم على مر السنين، رغم أن الجهاز برتقالي اللون وليس أسود. في الواقع، كان اللون البرتقالي هو اللون المعتمد من البداية لأنه يسهل التعرف على علبة الجهاز المعدنية.

وفي خمسينيات القرن الماضي، قدم العالِم الأسترالي ديفيد وارن فكرة جهاز تسجيل الصوت في قمرة القيادة.

كان وارن قد بدأ التحقيق في تحطم أول طائرة تجارية نفاثة في العالم، عام 1953، واعتقد أنه سيكون من المفيد للمحققين في حوادث الطائرات الحصول على تسجيل للأصوات في قمرة القيادة.

قام وارن بتصميم وبناء نموذج أولي عام 1956، ولكن استغرق الأمر عدة سنوات قبل أن يدرك المسؤولون مدى قيمة هذا الجهاز ويبدأوا في تثبيته على الطائرات التجارية في جميع أنحاء العالم.

وكان والد وارن قد لقي حتفه في حادث تحطم طائرة في أستراليا عام 1934.

منذ تلك الأيام الرائدة، خضعت تكنولوجيا مسجلات الرحلات لتطوير مستمر، مع تضمين كل إصدار جديد للدروس المستفادة من الحوادث السابقة.

وبعد عدة تطورات تكنولوجية مثل الأشرطة المغناطيسية، تستخدم مسجلات اليوم شرائح ذاكرة ثابتة، مما يلغي الأجزاء المتحركة وبالتالي يقلل من خطر التلف في حالة الحادث.

لون الجهاز برتقالي في الأصل لتسهيل العثور عليه

لماذا يسمى "الصندوق الأسود"؟

عادةً يكون لون الجهازين برتقاليًا، وليس أسودا، لتسهيل العثور عليهما في الحطام، وأحيانًا في أعماق المحيطات.

بعض الأشخاص اقترحوا أن الاسم يعود إلى جهاز هوسينو لأنه كان يستخدم تقنية الكاميرا الفوتوغرافية من خلال "فيلم يعمل داخل صندوق محكم الإغلاق ضد الضوء" ومن هنا جاء اسم 'الصندوق الأسود'"، وفقًا لما ذكرته إيرباص، التي أشارت إلى أن اللون البرتقالي كان هو اللون المعتمد من البداية لجعل الجهاز سهل العثور عليه.

تشمل النظريات الأخرى أن الصناديق تصبح سوداء عندما تحترق في الحوادث، كما كتبت مجلة سميثسونيان .

تقول المجلة، إنه كما هو معروف الآن، جميع هذه الأجهزة يتم طلاءها باللون البرتقالي الزاهي للمساعدة في تحسين الرؤية.

وبحسب المجلة، تنتشر العديد من النظريات حول أصل مصطلح "الصندوق الأسود"، بما في ذلك الشائعات التي تقول إن محتوياته الغامضة لا يمكن الوصول إليها بأمان إلا في غرفة مظلمة أو أن الجهاز يتحول إلى اللون الأسود عندما يتعرض للاحتراق.

الحقيقة الأكثر إثارة، تضيف المجلة، في مجال الدوائر الإلكترونية بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح "الصندوق الأسود" هو المصطلح الشائع لجهاز إلكتروني مستقل تكون مدخلاته ومخرجاته أكثر تحديدًا من عملياته الداخلية.

ولكن، منذ منتصف الستينيات، استخدمت وسائل الإعلام هذا المصطلح في مجال الإلكترونيات الجوية تقريبًا بشكل حصري لوصف مسجلات الرحلات، دون شك بسبب الإحساس بالغموض الذي يثيره في أعقاب كارثة جوية.

تُزود المروحيات بجهاز تسجيل مدمج واحد

ماذا عن الطائرات العمودية؟

تُزود الطائرات العمودية أيضًا بجهاز تسجيل مدمج واحد. هذه الوحدة قادرة على تسجيل جميع البيانات اللازمة لوصف الرحلة (مثل الوقت، الاتجاه، الارتفاع، القوة، درجة الحرارة، سرعة الدوار، درجة الحرارة الخارجية، إلخ)

في الطائرات العمودية الثقيلة ، يمكن لهذه الأجهزة تحمل درجة حرارة تصل إلى 1100 درجة مئوية لمدة ساعة (تمامًا كما في الطائرات، أما في الطائرات العمودية الخفيفة، فيجب أن تتحمل هذه الدرجة من الحرارة لمدة 15 دقيقة.

هل حان الوقت لاستبدال هذه الأجهزة

أثارت حوادث الطائرات المتكررة الجدل حول فائدة مسجلات الرحلات التي تكون مرتبطة ماديًا بالطائرة، في وقت يمكن فيه تحديد موقع هاتف مفقود من نصف الكرة الأرضية الآخر.

طرحت مجلة سميثسونيان سؤالا هو هل حان الوقت لتقاعد الصندوق الأسود، الأداة التي كانت قيد الاستخدام منذ خمسينيات القرن الماضي، واستبدالها بشيء آخر؟ وتقول إن فكرة مسجلات الرحلات التي لا يمكن الوصول إلى بياناتها عن بُعد (ويجب تنزيلها من الصندوق نفسه) أصبحت قديمة.

وطرحت بدائل أخرى مثل أجهزة الاستقبال التي تعمل عبر الأقمار الاصطناعية بجمع البيانات المرسلة من جهاز الإرسال للطائرة لتتبع الموقع والسرعة والارتفاع بفواصل زمنية أقل من ثماني ثوانٍ.

تدفق البيانات

لتجنب خطر عدم العثور على الصناديق السوداء للطائرات التي تقع في أعماق البحار وفقدان البيانات التي تحتوي عليها، تستكشف شركات صناعة الطائرات مثل إيرباص وبقية الجهات المعنية في سلامة الطيران حلولًا أخرى، إحدى هذه الحلول هي تدفق البيانات عبر البث الفضائي المستمر والذي يسهل الحصول على بيانات الرحلة بسرعة.

يتم دراسة هذه الحلول من قبل المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO)مع أخذ مختلف الجوانب في الاعتبار مثل حجم عرض النطاق الترددي للأقمار الصناعية، والسرية وأمن البيانات.

مسجل الرحلة القابل للإطلاق التلقائي

مسجلات الرحلات القابلة للإطلاق التلقائي هي خيار آخر تقول شركة إيرباص بتطويره. الفكرة هي تركيب وحدة في منطقة الذيل للطائرة تجمع بين جهاز تسجيل بيانات الرحلة، وجهاز تسجيل الصوت في قمرة القيادة، وجهاز إرسال موقع الطوارئ المتكامل (ELT).

صُمم جهاز التسجيل المحمي من الصدمات لمقاومة الاصطدام والعوم على الماء، مع إرسال موقعه والسماح لخدمات البحث والإنقاذ بسرعة أكبر لإنقاذ أي ناجين والعثور على الحطام.

قدمت إيرباص جهاز ELT من الجيل الجديد مزودًا بقدرات التتبع الذاتي لحالات الطوارئ على طائراتها التجارية، حيث تم تصميم هذه الميزة الجديدة لضمان عدم ضياع الطائرة في حالة الطوارئ.

مسجلات الصوت والبيانات المدمجة

لتلبية متطلبات المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) بزيادة وقت تسجيل الصوت من 2 إلى 25 ساعة، تقدم بعض الطائرات الحديثة جهازين جديدين يجمعان بين وظائف تسجيل بيانات الرحلة وتسجيل الصوت في قمرة القيادة في جهاز واحد قادر على تخزين الاتصالات الصوتية والنصية وبيانات الرحلة.

حوالي 30 بالمائة من الصناديق السوداء التي تستقبلها NTSB تأتي من دول أجنبية لا توجد فيها وكالة مشابهة

في ممر في الطابق الخامس من مقر المجلس الوطني لسلامة النقل في واشنطن العاصمة، هناك متحف صغير لمسجلات بيانات الرحلة ومسجلات الصوت في قمرة القيادة التي تعود إلى حقبة الرئيس آيزنهاور.

بعض هذه المعدات مشوهة، تظهر عليها آثار الحوادث المروعة، بينما تبدو أخرى جديدة تمامًا.

هناك مسجل للرحلات من خمسينيات القرن الماضي، كان يستخدم قلمًا لرسم ظروف الرحلة الأساسية على شريط من الألومنيوم يمكن استخدامه مرة واحدة فقط.

واضطر المحققون انذاك لاستخدام ميكروسكوب لفك شيفرة التعرجات والخطوط الصغيرة التي كانت تشبه قراءة تخطيط القلب.

كانت مسجلات البيانات والرحلات من الستينيات تستخدم الأشرطة المغناطيسية لتخزين معلومات الرحلة، وهو إنجاز تقني كان لا يزال مستخدمًا حتى أوائل التسعينيات، عندما أصبحت مسجلات الحالة الصلبة هي المعيار.

نظرًا لأن الطائرات التي يتم الحفاظ عليها بشكل جيد يمكنها الطيران لعقود من الزمن، لا تزال العديد من الطائرات حول العالم، سيما تلك الموجودة في البلدان الفقيرة، مزودة ببعض الأجهزة القديمة.

حوالي 25 إلى 30 بالمائة من الصناديق السوداء التي يستقبلها الـ NTSB تأتي من دول أجنبية لا توجد فيها وكالة مشابهة.

وتتلقى الوكالة الأميركية في المتوسط حوالي 550 إلى 600 جهازا سنويًا، ويشمل هذا الرقم مسجلات البيانات ومسجلات قمرة القيادة بالإضافة إلى أجهزة GPS، وهواتف آيفون، وأجهزة لوحية، مما يعكس الشعبية المتزايدة لتطبيقات الطيران مثل ForeFlight Mobile و Garmin Pilot، والتي تحتوي على سجلات رقمية وتوفر أدوات لتخطيط الرحلات والملاحة.

انتشار تسجيل الطيارين الخاصين لرحلاتهم الخاصة قد وفر للمحققين أدوات جديدة في فك شيفرة أسباب حوادث الطيران العام، ولكنه أضاف أيضًا تحديات جديدة. وخصصت الوكالة قسما كاملا لاستخراج البيانات من هذه الأجهزة، التي، على عكس الصناديق السوداء، ليست مصممة للبقاء في الحوادث.

توصي الوكالة الأميركية NTSB منذ عام 2000 بتثبيت مسجلات الفيديو في قمرة القيادة، لكن إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) رفضت مرارًا.

وتقول مجلة سميثسونيان إنه في عام 2016، خلصت FAA إلى أنه "لم نرَ أي أدلة جديدة مثيرة تطلب تثبيت مسجلات الصور في قمرة القيادة".

الجامعات الأميركية

قبل عقود، كانت جامعة ميشيغان، شأن العديد من الجامعات الأميركية المرموقة، توفر تعليما عالي الجودة لشريحة طلابية معظمها من المولودين في الولايات المتحدة. قلّة فقط كانوا يأتون من أماكن بعيدة للعيش في بلدة آن آربر الجامعية—فمعظم الزوّار كانوا يقودون سياراتهم من المناطق القريبة لحضور مباريات كرة القدم الجامعية. وحتى أولئك الذين جاؤوا من أماكن أبعد، كانوا غالبا طلابا أميركيين من ولايات أخرى.

اليوم، أصبحت هذه البلدة الجامعية، التي كانت يوما ما ريفية، كأنها حاضنة اجتماع للأمم المتحدة. فالتجول في الحرم الجامعي يكشف أن قسماً كبيراً من الطلاب لم يأتوا من مناطق مجاورة، بل من بلدان تقع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وأثناء تجوالك، يمكنك سماع لغات متعددة، من الصينية، والإسبانية، والكورية، والعربية، وبالطبع الإنكليزية، التي غالبا ما تُنطق بلكنة تشي بأن المتحدثين لم يولدوا في أميركا.

هذا هو الوجه الجديد للأكاديمية الأميركية—عقول شابة طموحة وعلماء مخضرمون من جميع أنحاء العالم، يوحدهم شغف مشترك بالبحث العلمي.

مع ذلك، يخشى البعض، اليوم، من أن الغموض وعدم اليقين باتا يلقيان ظلالا على مستقبل الطلاب الدوليين والبحث العلمي عموما. ومع ورود تقارير عن "قمع" لاحتجاجات في الحرم الجامعي، وخفض للمنح الخاصة بالمعاهد البحثية، والتغيرات في سياسات الهجرة، يبرز سؤال ملح: هل ستظل أميركا رائدة في مجال التعليم العالي على المستوى العالمي؟

لكن هناك من يعتقد أن لا ضرورة للمبالغة في التشاؤم. 

يقول الاقتصادي، دون غرايمز، في حديث مع قناة "الحرة" إن "الحكايات عن أفراد من الطلاب يواجهون صعوبات هي حقيقية، لكنها تمثل جزءاً ضئيلاً جداً من بين أكثر من مليون طالب أجنبي في البلاد. كثيرا ما لا تتطابق التصورات مع الواقع الأوسع".


خلفية

قبل تصاعد الجدل الحالي بشأن الجامعات، كانت المؤسسات الأميركية التعليمية تعاني بالفعل—ليس بسبب تغيّرات سياسية أو اقتصادية بشكل رئيسي، بل بسبب العامل الديموغرافي، حيث انخفض عدد السكان في سنّ الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة.

ومنذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة، أصبحت الجامعات في دائرة الضوء: من النقاشات حول مبادرات التنوع والعدالة والشمول (DEI)، واتهامات لأعضاء هيئة التدريس بالتحيز "الليبرالي"، إلى ادعاءات بمعاداة السامية بين المتظاهرين من الطلاب.

في المقابل، اتخذ ترامب خطوات للضغط على المؤسسات التي يعتبرها نخبوية—وخاصة جامعات الـ Ivy League—من خلال التهديد بقطع ما مجموعه 5.2 مليار دولار من التمويل الفيدرالي. وفي الوقت ذاته، واجهت وكالات رئيسية مرتبطة بالبحث العلمي، مثل المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) والمعاهد الوطنية للصحة (NIH) ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، تخفيضات في الميزانية تحت إشراف وزارة كفاءة الحكومة (DOGE)، مع اقتطاعات قد تؤثر حتى على الدرجات العلمية المصنفة "آمنة" مثل تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

وبالإضافة إلى هذه التوترات، تم إلغاء منح التأشيرات لبعض الطلاب الدوليين، ووجّه بعض المسؤولين في الجامعات طلابهم بعدم السفر خارج الولايات المتحدة خلال عطلة الصيف.


في المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن إجراءات إلغاء التأشيرات تستهدف الدوليين الذين "ينتهكون قوانيننا" والطلاب الدوليين الذين "يسيئون استخدام ضيافتنا".

ويشير مراقبون إلى أن هذه الإجراءات جاءت إلى حدّ كبير كردّ فعل على مشاركة العديد من الطلاب الدوليين في احتجاجات عنيفة مؤيدة للفلسطينيينو وانتماءاتهم المزعومة لجماعات متطرفة.

وبينما تراجعت إدارة ترامب عن إلغاء العديد من تأشيرات الطلاب، أثارت حالة عدم اليقين هذه قلقاً في الأوساط الجامعية من احتمال انخفاض أعداد الطلاب الدوليين. 

وأظهر استطلاع أجرته منظمة IDP Education، المتخصصة في توجيه الطلاب الدوليين، أن عددا ضئيلا فقط من الطلاب الدوليين ما زالوا يحتفظون برؤية إيجابية تجاه الولايات المتحدة.

"كنت أتمنى لو أستطيع أن أكون أكثر تفاؤلاً بشأن المستقبل،" قال ويليام بروستين، نائب الرئيس السابق للاستراتيجية العالمية والشؤون الدولية في جامعة وست فرجينيا، "الحقيقة هي، يبدو أن هناك مزيدا من الغيوم الداكنة في الأفق أمام الطلاب الدوليين".


ما مدى أهمية الطلاب الدوليين لقطاع التعليم الأميركي؟

يلعب الطلاب الدوليون دوراً رئيسياً في دعم قطاع التعليم العالي الأميركي. ففي عام 2023، استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب الدوليين، وهو ما يمثل نحو سدس جميع الطلاب الدوليين حول العالم. بالمقابل، في عام 2024، التحق 19.1 مليون طالب أميركي بجامعات محلية، في حين اختار 280,716 طالباً فقط الدراسة في الخارج ـ أي ما يعادل 1% فقط من مجموع الطلاب الأميركيين.

"عادة ما يدفع الطلاب الدوليون أعلى معدلات الرسوم الدراسية ولا يتلقون مساعدات مالية من الولاية أو الحكومة الفيدرالية، ما يجعلهم جذابين من الناحية المالية للجامعات،" قال دونالد غرايمز، "كما يساهمون بشكل كبير في الاقتصادات المحلية، لا سيما في البلدات الجامعية التي تميل إلى أن تكون أكثر ازدهارا بسبب ارتفاع نسبة الخريجين فيها".

ويضيف: "في آن آربر، يشكل الطلاب الدوليون نحو 20% من إجمالي المسجلين. إنهم عنصر حيوي في مجتمعنا الأكاديمي".

وبعد التخرج، يبقى العديد من الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة للعمل في مجالات متخصصة تستفيد من مهاراتهم. ووفقا لغرايمز  "توفر الجامعات ما نسميه ‘وظائف جيدة’، ذات رواتب مجزية، ومزايا، وتساهم في إنشاء صناعات فرعية. سواء كانت شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية أو مقاهٍ محلية تعتمد على حركة الطلاب، فإن الجامعة تُعد محركا اقتصاديا".

وحذّر من أن تخفيض تمويل المؤسسات البحثية لن يضر المختبرات الأكاديمية فحسب. "الأمر لا يقتصر على العلماء. سترى التأثير في التصنيع، والخدمات، وحتى في قطاع العقارات. فقدان جامعة يشبه فقدان مصنع في القرن العشرين—إنه يضرب الاقتصاد المحلي في الصميم".

علاوة على ذلك، فإن الاستثمار في الطلاب الدوليين يعود بفوائد كبيرة أخرى، وفقا لغرايمز. 

"أولا، يدفع الطلاب الدوليون عادة رسوم الدراسة بالكامل، ما يسهم في تحمل تكلفة تعليم الطلاب المحليين. وثانيا، لأن اطلاب الدوليين تلقوا تعليمهم الأساسي خارج أميركا، فإن ذلك يعني أن تكلفة تعليمهم حتى هذه المرحلة قد تحملها نظام تعليمي في بلد آخر".

هذه الفرصة الاقتصادية أصبحت مربحة جدا لدرجة أن مؤسسات مثل جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين حصلت على بوليصة تأمين تغطي خسارة محتملة تصل إلى 60 مليون دولار من إيرادات الرسوم الدراسية، في حال حصول انخفاض كبير في عدد الطلاب الصينيين.


هل القلق مبرر؟

يحذر محللون من احتمال انهيار نظام التعليم العالي الأميركي، وحصول نزيف أدمغة وشيك، بينما يعتقد آخرون أن العائلات حول العالم ما زالت حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعاتها.

وأطلقت دول مثل فرنسا، وبلجيكا، وهولندا مبادرات تهدف إلى جذب الباحثين الأميركيين. وقال يان دانكيرت، وهو بروفيسور في جامعة (Vrije Universiteit Brussel) عزمه اجتذاب المواهب الأميركية للعمل في جامعة بروكسل.

في الوقت ذاته، لاحظ خبراء جامعات في الولايات المتحدة توجها بين العائلات القلقة نحو إرسال أبنائها للدراسة في الخارج.

وقال حفيظ لكهاني، مؤسس ورئيس شركة Lakhani Coaching في نيويورك إن "هناك الكثير من عدم اليقين، وعدم اليقين لا يناسب التخطيط طويل المدى".

بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال الوجهة الأكثر تفضيلا في العالم للطلاب الدوليين، بدأت دول أخرى  تقترب من منافستها في هذا المجال. فمنذ سنوات، أصبحت كندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وألمانيا وجهات جاذبة للطلاب الدوليين.

على سبيل المثال، في 2010، استقبلت الولايات المتحدة 723,277 طالباً دولياً مقارنة بـ 225,260 في كندا. أما في 2023، فقد استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب، مقابل مليون طالب في كندا.

ومع ذلك، يرى كريستوفر ريم، الرئيس التنفيذي لشركة Command Education للاستشارات الجامعية، أن هناك، لا تزال، مساحة واسعة للتفاؤل.

"رغم التغيرات العالمية، لا تزال العائلات المتعلمة والثرية حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للحصول على تعليم جامعي. لا يزالون يرون أن أميركا موطن لأفضل الجامعات في العالم".