مبنى المحكمة العليا الأميركية
مبنى المحكمة العليا الأميركية

أوقفت محاكم فيدرالية مؤقتا قرارات اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سيما تلك المتعلقة بتسريح موظفين فيدراليين، والحق بالجنسية بالولادة، وحظر تجنيد المتحولين جنسيا في الجيش، وهذا يطرح تساؤلات حول آلية عمل هذه المحاكم وسلطتها على قرارات الرئيس.

وحظر قاض اتحادي في مدينة بوسطن، الخميس، بشكل مؤقت خطة ترامب، لدفع موظفي الحكومة الفيدراليين إلى المغادرة عبر تقديم حوافز مالية لهم.

جاء الحكم قبل ساعات من الموعد النهائي منتصف الليل لتقديم طلبات برنامج الاستقالة المؤجلة، ووجه القاضي الفيدرالي جورج أوتول الإدارة بتمديد هذا الموعد النهائي حتى بعد جلسة المحكمة التي حددها بعد ظهر الاثنين.

وفي سياتل، أوقف قاضٍ اتحادي، الخميس، جهود ترامب لإنهاء حق اكتساب الجنسية بالولادة للطفل الذي يولد لأبوين يقيمان بشكل غير شرعي في الولايات المتحدة، مبديا اعتراضه على ما وصفه بمحاولة الإدارة تجاهل الدستور لتحقيق مكاسب سياسية.

القاضي الفيدرالي، جون سي. كوفنور، أمر ترامب بوقف الإجراءات لحين البت بالدعوى المرفوعة من قبل أربع ولايات ومجموعة حقوق المهاجرين التي تطعن فيه.

جاء حكمه بعد حكم مماثل لقاضٍ اتحادي في ولاية ماريلاند في قضية منفصلة ولكن مشابهة تتعلق بحقوق المهاجرين والنساء الحوامل اللواتي قد يتأثر أطفالهن الذين سيولدون قريباً.

كيف تتم "لمراجعة القضائية للأوامر التنفيذية؟

تعمل السلطات الأميركية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ضمن نظام دستوري من "الضوابط والتوازنات". وهذا يعني أنه على الرغم من أن كل فرع مستقل رسميا عن الفرعين الآخرين، إلا أن الدستور يتطلب في كثير من الأحيان التعاون بينها.

على سبيل المثال، تُمرر القوانين الفيدرالية من قبل الكونغرس ويتم توقيعها من قبل الرئيس. من ناحية أخرى، يمتلك القضاء السلطة لتحديد دستورية القوانين الفيدرالية، وحل القضايا الأخرى المتعلقة بالقوانين الفيدرالية. لكن القضاة يعتمدون على السلطة التنفيذية لتنفيذ قرارات المحاكم.

وتوفر المحاكم وسيلة سلمية لحل النزاعات الخاصة التي لا يستطيع الأشخاص حلها بأنفسهم. وبناءً على نوع النزاع أو الجريمة، تنتهي بعض القضايا في المحاكم الفيدرالية "محاكم الاستئناف" بينما تنتهي بعضها في المحاكم المحلية.

وباعتباره القانون الأعلى في البلاد، يخلق الدستور الأميركي نظاما اتحاديا للحكومة حيث يتم تقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، ولكل من الحكومة الفيدرالية والحكومات المحلية نظامها القضائي الخاص بها.

وتمنح المادة الثالثة من الدستور السلطة القضائية للولايات المتحدة لنظام المحاكم الفيدرالي. وتحدد الفقرة 1 من المادة الثالثة بشكل خاص المحكمة العليا الأميركية وتمنح الكونغرس السلطة لإنشاء المحاكم الفيدرالية الأدنى.

واستخدم الكونغرس هذه السلطة لإنشاء 13 محكمة استئناف أميركية، و94 محكمة دائرة أميركية، ومحكمة المطالبات الأميركية، ومحكمة التجارة الدولية الأميركية، فضلا عن محاكم الإفلاس الأميركية. الأطراف غير الراضية عن قرارات المحاكم المحلية، يمكنها الاستئناف في المحاكم الفيدرالية.

يمكن للطرف أن يطلب من المحكمة العليا الأميركية مراجعة قرار صادر من محكمة الاستئناف، ولكن المحكمة العليا عادةً ليست ملزمة بذلك، والمحكمة العليا هي الحكم النهائي في المسائل الدستورية الفيدرالية.

منح الجنسية بالولادة بات مثار معارك قانونية- أ ب
"4 كلمات" مثيرة للجدل.. هل يستطيع ترامب إلغاء الجنسية بالولادة؟
نفذ الرئيس الأميركي الجديد وعده الانتخابي المتخلق بحق الجنسية بالولادة، وفي اليوم الأول من ولايته الثاني، أصدر بالفعل أمرا تنفيذيا ينص على إلغاء هذا الحق لمن يقيمون بشكل غير شرعي، أو حتى من يقيمون بشكل شرعي لكن بصفة مؤقتة.


العلاقة بين الكونغرس والمحاكم الفيدرالية

يمنح الدستور الكونغرس السلطة لإنشاء محاكم فيدرالية غير المحكمة العليا وتحديد اختصاصاتها، إن الكونغرس، وليس السلطة القضائية، هو الذي يتحكم في نوع القضايا التي يمكن النظر فيها في المحاكم الفيدرالية.

ولدى الكونغرس ثلاث مسؤوليات أساسية أخرى تحدد كيفية عمل المحاكم.

أولاً، يقرر عدد القضاة الذين يجب أن يكونوا وأين سيعملون.

ثانيًا، من خلال عملية التأكيد، يحدد الكونغرس أي من مرشحي الرئيس القضائيين سيصبحون في النهاية قضاة فيدراليين.

ثالثًا، يوافق الكونغرس على ميزانية المحاكم الفيدرالية ويوزع الأموال لتشغيل السلطة القضائية.

تتولى المحاكم الفيدرالية القضايا التي تتعلق بدستورية القانون؛ والقضايا المتعلقة بقوانين ومعاهدات الولايات المتحدة؛ والقضايا التي تتعلق بالسفراء والمبعوثين الرسميين؛ والنزاعات بين ولايتين أو أكثر؛ وقضايا الإفلاس؛ و قضايا الحبس التعسفي.

وبموجب الدستور، يعين الرئيس القضاة الفيدراليين بموافقة "النصيحة والموافقة" من مجلس الشيوخ. عادة ما يستشير الرئيس أعضاء مجلس الشيوخ أو المسؤولين المنتخبين الآخرين بشأن المرشحين لشغل المناصب الشاغرة في المحاكم الفيدرالية.

سلطة الرئيس في تعيين قضاة فيدراليين جدد ليست هي التفاعل الوحيد بين السلطة القضائية والفرع التنفيذي. وزارة العدل، المسؤولة عن محاكمة الجرائم الفيدرالية وتمثيل الحكومة في القضايا المدنية، هي الأكثر تكرارًا في التقاضي ضمن النظام القضائي الفيدرالي.

الرئيس والأوامر التنفيذية

من بين أقوى الأدوات المتاحة للرئيس هي الأوامر التنفيذية، وهي توجيهات سياسية مكتوبة يصدرها الرئيس وتحمل نفس القوة التي يتمتع بها القانون الفيدرالي.

ومع ذلك، فإن هذه الأوامر ليست معرفة بشكل صريح في الدستور وتعتمد على الممارسات التاريخية، والتفسيرات التنفيذية، وقرارات المحاكم.

الأساس الدستوري لسلطة الأوامر التنفيذية هو قدرة الرئيس الواسعة على إصدار التوجيهات، ووفقًا لخدمة البحوث في الكونغرس، فأنه على الرغم من أن الدستور الأميركي لا يتناول الأوامر التنفيذية ولا يوجد قانون يمنح الرئيس السلطة العامة لإصدارها، "إلا أن السلطة في إصدار مثل هذه الأوامر تعتبر جانبًا جوهريًا من سلطات الرئيس."

لدى الرئيس مصدران رئيسيان للسلطة في إصدار التوجيهات والأوامر التنفيذية: الدستور والسلطات التي يمنحها الكونغرس للرئيس.

فالمادة الثانية، القسم 1 من الدستور تمنح السلطات التنفيذية للرئيس، مما يتطلب من الرئيس "أن يحرص على تنفيذ القوانين بأمانة." كما أن الرئيس هو "القائد الأعلى للجيش والبحرية للولايات المتحدة"، كما هو مذكور في المادة الثانية، القسم 2.

كما يُفهم أن للرئيس سلطات واسعة في مجالات مثل السيطرة على وتشغيل الحكومة الفيدرالية، الوكالات الفيدرالية، وفي الشؤون الخارجية.

يمكن للكونغرس أيضًا منح سلطات إضافية للرئيس بموجب قانون، بما في ذلك استخدام الأوامر التنفيذية لتحقيق الأهداف، كما يمكن للكونغرس الموافقة على أمر تنفيذي بعد صدوره من الرئيس من خلال تضمين نصه في قانون.

تقييد الأوامر التنفيذية والطعن بها

بينما يمكن أن يكون للأمر التنفيذي نفس تأثير القانون الفيدرالي في بعض الظروف، يمكن للكونغرس تمرير قانون جديد لتجاوز أمر تنفيذي، ولكن فقط لتلك الأوامر الصادرة "بموجب الصلاحيات التي يفوضها الكونغرس للرئيس".

من ناحية أخرى، لا يمكن للكونغرس تعديل أو إلغاء أمر تنفيذي تم إصداره بموجب صلاحيات منحها الدستور حصريًا للرئيس.

ومع ذلك، استخدم الكونغرس عدة طرق أخرى للحد من الأوامر التنفيذية؛ على سبيل المثال، من خلال محاولة حجب الإنفاق على البرامج التي تم إنشاؤها بموجب أمر تنفيذي.

في حالات أخرى، تدخلت المحاكم للفصل في القضايا التي تم فيها الطعن في الأوامر التنفيذية الرئاسية.

يتمتع الرؤساء بسلطة تعديل أو إلغاء ليس فقط الأوامر التنفيذية التي تم إصدارها خلال فترة ولايتهم، ولكن أيضًا الأوامر التي أصدرها رؤساء سابقون ولم يتم إلغاؤها، حيث أن الأوامر التنفيذية عمومًا لا تحتوي على تواريخ انتهاء صلاحية.

إذا كان الحكم يتعلق بقرار إداري أو أمر تنفيذي من الرئيس، يمكن أن تقدم الأطراف المعنية طعناً أمام محكمة الاستئناف أو المحكمة العليا إذا لزم الأمر.

بالتالي، هناك عدة مراحل للطعن، ولكن يجب أن تتوافر أسس قانونية قوية للطعن في القرارات الفيدرالية، ويجب أن تتم وفق الإجراءات المعتمدة في النظام القضائي الأميركي.

لكن المحكمة العليا ليست ملزمة بقبول جميع الطعون، بل تقرر ما إذا كانت ستنظر في القضية بناءً على أهمية القضية القانونية أو تأثيرها على القانون الأميريكي، وعادةً ما تقبل المحكمة العليا القضايا التي لها تداعيات واسعة على القوانين أو الدستور.

المحاكم الفيدرالية والأوامر التنفيذية

تأتي سلطة الرئيس في إصدار الأمر التنفيذي عادة، إما بشكل صريح أو ضمني، من قانون صادر عن الكونغرس، ولكن في بعض الأحيان قد يبرر الرؤساء الأوامر بناءً على سلطتهم الدستورية لتنفيذ قوانين الأمة.

لطالما كان هناك خلاف حول ما إذا كان الدستور يمنح الرئيس فقط سلطة تنفيذ السياسات التي وضعها الكونغرس أو إذا كان يتيح للرئيس أيضًا صلاحيات صنع السياسات الجوهرية.

نتيجة لذلك، فإن الأوامر التي تستند إلى سلطات رئاسية متأصلة لم يتم تفويضها من قبل الكونغرس من المرجح أن تثير قضايا تتعلق بفصل السلطات. في هذه الحالات، يجب على المحاكم تحديد ما إذا كان الرئيس قد مارس سلطة تشريعية تعود فقط للكونغرس.

وقد تلغي المحاكم الأوامر التنفيذية ليس فقط بناءً على أن الرئيس لم يكن لديه سلطة لإصدارها، ولكن أيضًا في الحالات التي يُكتشف فيها أن الأمر غير دستوري من حيث المضمون.

في بعض الحالات، ليس الأمر التنفيذي نفسه هو الذي يُطعن فيه في المحكمة، ولكن بدلاً من ذلك، لوائح تم إصدارها بناءً على أمر تنفيذي أو الطريقة التي فسر بها مسؤولو السلطة التنفيذية أمرًا تنفيذيًا.

وبينما يتم الطعن في العديد من الأوامر التنفيذية بناءً على أسباب قانونية ودستورية، فقد خضعت أخرى إلى "مراجعة المعقولية." 

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد
أبرز قرارات ترامب خلال الـ24 ساعة الماضية
من إلغاء الدعم الفيدرالي للإجراءات الطبية المتعلقة بتغيير الجنس لمن هم دون 19 عاما، وتغيير هيكل الجيش الأميركي، وتعزيز سياسات الهجرة، إلى ملف قطاع غزة، استمرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اتخاذ قرارات مؤثرة على عدة أصعدة خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة.

ما هي المراجعة المعقولية

في أوائل القرن العشرين، بدأت المحكمة العليا الأميركية في تفسير بند الإجراءات القانونية الواجبة في التعديلين الخامس والرابع عشر من الدستور الأميركي ليشمل ضمان "الإجراءات القانونية الجوهرية".

سمح هذا المفهوم القانوني للمحاكم بمراجعة كل من القوانين والإجراءات التنفيذية التي تحد من الحقوق المتعلقة بالحياة والحرية أو الملكية للتأكد من أنها معقولة.

جادل منتقدو مراجعة المعقولية، الذين كان العديد منهم من الإصلاحيين التقدميين، بأن هذه الممارسة غير ديمقراطية لأنها استبدلت حكم المحاكم بحكم المسؤولين المنتخبين. علاوة على ذلك، اعتقد الكثيرون أن المحاكم كانت تطبق مراجعة المعقولية بشكل مفرط، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتنظيم الاقتصادي.

منذ الأربعينيات، استمرت مراجعة الأساس المنطقي في التحكم في معظم التحديات التي تتعلق بالإجراءات القانونية الواجبة ضد الأوامر التنفيذية، ولكن المحاكم الفيدرالية قد تدخلت في بعض الحالات لتطبيق مراجعة المعقولية الأكثر صرامة. لم تحدد المحكمة العليا معيارًا موحدًا يحدد مستوى الفحص الذي يجب أن تقدمه المحاكم للأوامر التنفيذية.

غالبًا ما تكون الأوامر التنفيذية قد تم تقديمها أمام المحاكم الفيدرالية في سياق محاولات إبطالها أو وقف تنفيذها. ومع ذلك، تم رفع بعض القضايا لفرض الحقوق التي يزعم أنها أنشئت بموجب أمر تنفيذي.

وبينما للمحاكم الفيدرالية ولاية قضائية على القضايا المدنية الناشئة بموجب الدستور والقانون الفيدرالي والمعاهدات، فإن المحاكم قد قضت بأن الأوامر التنفيذية غير المفوضة من الكونغرس ليست "قانونًا فيدراليًا" لهذه الأغراض.

وغالبًا ما تم رفض قضايا الأوامر التنفيذية بسبب مخاوف تتعلق بفصل السلطات. وقضت المحاكم بأن الأمر التنفيذي القائم على السلطات الرئاسية المتأصلة لا يمكن أن ينشئ سببًا قانونيًا يمكن فرضه.

بالمثل، فإن الأوامر التنفيذية التي يتم تفويضها بموجب قانون صادر عن الكونغرس عمومًا لا تشمل حقوقًا قانونية خاصة ما لم يظهر القانون المخول أن الكونغرس كان ينوي أن يكون الأمر قابلًا للتنفيذ في المحكمة. نتيجة لذلك، فإن القضايا المدنية الخاصة المتعلقة بالأوامر التنفيذية من أي نوع نادرة.

بعض من أبرز القضايا المتعلقة بالأوامر التنفيذية في تاريخ الولايات المتحدة حدثت خلال فترات الحرب، عندما سعى الرؤساء غالبًا إلى ممارسة سلطات أقوى من أجل متابعة الحرب أو حماية الأمن الوطني.

وقد امتنعت المحاكم الفيدرالية عن فرض تلك السلطات الرئاسية في بعض الحالات وسعت للحد منها في حالات أخرى.

الجامعات الأميركية

قبل عقود، كانت جامعة ميشيغان، شأن العديد من الجامعات الأميركية المرموقة، توفر تعليما عالي الجودة لشريحة طلابية معظمها من المولودين في الولايات المتحدة. قلّة فقط كانوا يأتون من أماكن بعيدة للعيش في بلدة آن آربر الجامعية—فمعظم الزوّار كانوا يقودون سياراتهم من المناطق القريبة لحضور مباريات كرة القدم الجامعية. وحتى أولئك الذين جاؤوا من أماكن أبعد، كانوا غالبا طلابا أميركيين من ولايات أخرى.

اليوم، أصبحت هذه البلدة الجامعية، التي كانت يوما ما ريفية، كأنها حاضنة اجتماع للأمم المتحدة. فالتجول في الحرم الجامعي يكشف أن قسماً كبيراً من الطلاب لم يأتوا من مناطق مجاورة، بل من بلدان تقع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وأثناء تجوالك، يمكنك سماع لغات متعددة، من الصينية، والإسبانية، والكورية، والعربية، وبالطبع الإنكليزية، التي غالبا ما تُنطق بلكنة تشي بأن المتحدثين لم يولدوا في أميركا.

هذا هو الوجه الجديد للأكاديمية الأميركية—عقول شابة طموحة وعلماء مخضرمون من جميع أنحاء العالم، يوحدهم شغف مشترك بالبحث العلمي.

مع ذلك، يخشى البعض، اليوم، من أن الغموض وعدم اليقين باتا يلقيان ظلالا على مستقبل الطلاب الدوليين والبحث العلمي عموما. ومع ورود تقارير عن "قمع" لاحتجاجات في الحرم الجامعي، وخفض للمنح الخاصة بالمعاهد البحثية، والتغيرات في سياسات الهجرة، يبرز سؤال ملح: هل ستظل أميركا رائدة في مجال التعليم العالي على المستوى العالمي؟

لكن هناك من يعتقد أن لا ضرورة للمبالغة في التشاؤم. 

يقول الاقتصادي، دون غرايمز، في حديث مع قناة "الحرة" إن "الحكايات عن أفراد من الطلاب يواجهون صعوبات هي حقيقية، لكنها تمثل جزءاً ضئيلاً جداً من بين أكثر من مليون طالب أجنبي في البلاد. كثيرا ما لا تتطابق التصورات مع الواقع الأوسع".


خلفية

قبل تصاعد الجدل الحالي بشأن الجامعات، كانت المؤسسات الأميركية التعليمية تعاني بالفعل—ليس بسبب تغيّرات سياسية أو اقتصادية بشكل رئيسي، بل بسبب العامل الديموغرافي، حيث انخفض عدد السكان في سنّ الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة.

ومنذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة، أصبحت الجامعات في دائرة الضوء: من النقاشات حول مبادرات التنوع والعدالة والشمول (DEI)، واتهامات لأعضاء هيئة التدريس بالتحيز "الليبرالي"، إلى ادعاءات بمعاداة السامية بين المتظاهرين من الطلاب.

في المقابل، اتخذ ترامب خطوات للضغط على المؤسسات التي يعتبرها نخبوية—وخاصة جامعات الـ Ivy League—من خلال التهديد بقطع ما مجموعه 5.2 مليار دولار من التمويل الفيدرالي. وفي الوقت ذاته، واجهت وكالات رئيسية مرتبطة بالبحث العلمي، مثل المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) والمعاهد الوطنية للصحة (NIH) ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، تخفيضات في الميزانية تحت إشراف وزارة كفاءة الحكومة (DOGE)، مع اقتطاعات قد تؤثر حتى على الدرجات العلمية المصنفة "آمنة" مثل تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

وبالإضافة إلى هذه التوترات، تم إلغاء منح التأشيرات لبعض الطلاب الدوليين، ووجّه بعض المسؤولين في الجامعات طلابهم بعدم السفر خارج الولايات المتحدة خلال عطلة الصيف.


في المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن إجراءات إلغاء التأشيرات تستهدف الدوليين الذين "ينتهكون قوانيننا" والطلاب الدوليين الذين "يسيئون استخدام ضيافتنا".

ويشير مراقبون إلى أن هذه الإجراءات جاءت إلى حدّ كبير كردّ فعل على مشاركة العديد من الطلاب الدوليين في احتجاجات عنيفة مؤيدة للفلسطينيينو وانتماءاتهم المزعومة لجماعات متطرفة.

وبينما تراجعت إدارة ترامب عن إلغاء العديد من تأشيرات الطلاب، أثارت حالة عدم اليقين هذه قلقاً في الأوساط الجامعية من احتمال انخفاض أعداد الطلاب الدوليين. 

وأظهر استطلاع أجرته منظمة IDP Education، المتخصصة في توجيه الطلاب الدوليين، أن عددا ضئيلا فقط من الطلاب الدوليين ما زالوا يحتفظون برؤية إيجابية تجاه الولايات المتحدة.

"كنت أتمنى لو أستطيع أن أكون أكثر تفاؤلاً بشأن المستقبل،" قال ويليام بروستين، نائب الرئيس السابق للاستراتيجية العالمية والشؤون الدولية في جامعة وست فرجينيا، "الحقيقة هي، يبدو أن هناك مزيدا من الغيوم الداكنة في الأفق أمام الطلاب الدوليين".


ما مدى أهمية الطلاب الدوليين لقطاع التعليم الأميركي؟

يلعب الطلاب الدوليون دوراً رئيسياً في دعم قطاع التعليم العالي الأميركي. ففي عام 2023، استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب الدوليين، وهو ما يمثل نحو سدس جميع الطلاب الدوليين حول العالم. بالمقابل، في عام 2024، التحق 19.1 مليون طالب أميركي بجامعات محلية، في حين اختار 280,716 طالباً فقط الدراسة في الخارج ـ أي ما يعادل 1% فقط من مجموع الطلاب الأميركيين.

"عادة ما يدفع الطلاب الدوليون أعلى معدلات الرسوم الدراسية ولا يتلقون مساعدات مالية من الولاية أو الحكومة الفيدرالية، ما يجعلهم جذابين من الناحية المالية للجامعات،" قال دونالد غرايمز، "كما يساهمون بشكل كبير في الاقتصادات المحلية، لا سيما في البلدات الجامعية التي تميل إلى أن تكون أكثر ازدهارا بسبب ارتفاع نسبة الخريجين فيها".

ويضيف: "في آن آربر، يشكل الطلاب الدوليون نحو 20% من إجمالي المسجلين. إنهم عنصر حيوي في مجتمعنا الأكاديمي".

وبعد التخرج، يبقى العديد من الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة للعمل في مجالات متخصصة تستفيد من مهاراتهم. ووفقا لغرايمز  "توفر الجامعات ما نسميه ‘وظائف جيدة’، ذات رواتب مجزية، ومزايا، وتساهم في إنشاء صناعات فرعية. سواء كانت شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية أو مقاهٍ محلية تعتمد على حركة الطلاب، فإن الجامعة تُعد محركا اقتصاديا".

وحذّر من أن تخفيض تمويل المؤسسات البحثية لن يضر المختبرات الأكاديمية فحسب. "الأمر لا يقتصر على العلماء. سترى التأثير في التصنيع، والخدمات، وحتى في قطاع العقارات. فقدان جامعة يشبه فقدان مصنع في القرن العشرين—إنه يضرب الاقتصاد المحلي في الصميم".

علاوة على ذلك، فإن الاستثمار في الطلاب الدوليين يعود بفوائد كبيرة أخرى، وفقا لغرايمز. 

"أولا، يدفع الطلاب الدوليون عادة رسوم الدراسة بالكامل، ما يسهم في تحمل تكلفة تعليم الطلاب المحليين. وثانيا، لأن اطلاب الدوليين تلقوا تعليمهم الأساسي خارج أميركا، فإن ذلك يعني أن تكلفة تعليمهم حتى هذه المرحلة قد تحملها نظام تعليمي في بلد آخر".

هذه الفرصة الاقتصادية أصبحت مربحة جدا لدرجة أن مؤسسات مثل جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين حصلت على بوليصة تأمين تغطي خسارة محتملة تصل إلى 60 مليون دولار من إيرادات الرسوم الدراسية، في حال حصول انخفاض كبير في عدد الطلاب الصينيين.


هل القلق مبرر؟

يحذر محللون من احتمال انهيار نظام التعليم العالي الأميركي، وحصول نزيف أدمغة وشيك، بينما يعتقد آخرون أن العائلات حول العالم ما زالت حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعاتها.

وأطلقت دول مثل فرنسا، وبلجيكا، وهولندا مبادرات تهدف إلى جذب الباحثين الأميركيين. وقال يان دانكيرت، وهو بروفيسور في جامعة (Vrije Universiteit Brussel) عزمه اجتذاب المواهب الأميركية للعمل في جامعة بروكسل.

في الوقت ذاته، لاحظ خبراء جامعات في الولايات المتحدة توجها بين العائلات القلقة نحو إرسال أبنائها للدراسة في الخارج.

وقال حفيظ لكهاني، مؤسس ورئيس شركة Lakhani Coaching في نيويورك إن "هناك الكثير من عدم اليقين، وعدم اليقين لا يناسب التخطيط طويل المدى".

بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال الوجهة الأكثر تفضيلا في العالم للطلاب الدوليين، بدأت دول أخرى  تقترب من منافستها في هذا المجال. فمنذ سنوات، أصبحت كندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وألمانيا وجهات جاذبة للطلاب الدوليين.

على سبيل المثال، في 2010، استقبلت الولايات المتحدة 723,277 طالباً دولياً مقارنة بـ 225,260 في كندا. أما في 2023، فقد استقبلت الولايات المتحدة 1.1 مليون طالب، مقابل مليون طالب في كندا.

ومع ذلك، يرى كريستوفر ريم، الرئيس التنفيذي لشركة Command Education للاستشارات الجامعية، أن هناك، لا تزال، مساحة واسعة للتفاؤل.

"رغم التغيرات العالمية، لا تزال العائلات المتعلمة والثرية حريصة على إرسال أبنائها إلى الولايات المتحدة للحصول على تعليم جامعي. لا يزالون يرون أن أميركا موطن لأفضل الجامعات في العالم".