الولايات المتحدة قلصت قدرات إيران في تصدير النفط
الولايات المتحدة قلصت قدرات إيران في تصدير النفط

فرضت الولايات المتحدة الأربعاء، عقوبات جديدة على ست كيانات مقرها هونغ كونغ والصين، اتهمتها بالتورط في شبكة شراء طائرات بدون طيار إيرانية، حيث تنفذ إدارةُ الرئيس دونالد ترامب حملةَ "الضغط الأقصى" ضد طهران.

تشديد العقوبات جاء في وقت يعاني الإيرانيون من وضع اقتصادي مترد، مع ارتفاع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، ونقص في موارد الطاقة أدت إلى انقطاعات مستمرة في الكهرباء.

وباتت العزلة والركود من أبرز معالم الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، ووفق لوسائل إعلام محلية، فقط تراجعت حصة إيران من التجارة العالمية من 2.2 بالمئة إلى 0.25 بالمئة ما يؤشر بحسب خبراء إلى "العزلة الدولية".

فما سبب تكرار الأزمات الاقتصادية في إيران؟ وهل العقوبات الأميركية والدولية على طهران تلعب دورا بارزا في تراجعه؟

قال أومود شكري، أستاذ في جامعة جورج ماسون والخبير الاستراتيجي في الاقتصاد والطاقة من واشنطن، في مقابلة مع "الحرة"، إن هناك عدة عوامل تؤثر على الاقتصاد الإيراني، حيث يمكن تقسيم هذه العوامل إلى داخلية وخارجية.

وذكر أن العوامل الداخلية تتعلق بشكل رئيسي بسوء الإدارة، بينما العوامل الخارجية تتمثل في العقوبات المفروضة على إيران.

وأضاف شكري أن هناك عوامل أخرى ساهمت في تدهور الاقتصاد الإيراني، مثل "القصور الهيكلي" في الاقتصاد و"الضوط القصوى" التي تمارسها الولايات المتحدة، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية في الأشهر المقبلة.

وأشار إلى أن الاقتصاد الإيراني يعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية وتصدير الغاز. وذكر أنه عندما تم توقيع الاتفاق النووي، كانت إيران تصدر نحو مليونين وسبعمئة ألف برميل من النفط يوميًا، ولكن بسبب العقوبات الأميركية، انخفض هذا الرقم إلى حوالي مئتي ألف برميل يوميًا.

وتطرق شكري إلى السياسة المتشددة التي تتبعها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، مشيرًا إلى أنه إذا انخفضت قدرة إيران على تصدير النفط، فإن ذلك سيؤدي إلى أزمة اقتصادية كبيرة، خاصة بعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة.

وأكد أن إدارة ترامب تسعى لتقليص صادرات إيران النفطية وكذلك قدرتها على الإنتاج، حيث أن إيران تنتج حاليًا بين 200 إلى 600 ألف برميل من النفط يوميًا وتبيعه في الأسواق العالمية. ومع ذلك، أعرب عن اعتقاده أن تقليص هذه القدرات إلى "الصفر" سيكون أمرًا صعب تحقيقه.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، فرض عقوبات جديدة تتعلق بإيران واستهدفت 6 كيانات تقع مقراتها في هونغ كونغ أو الصين عملت على تسهيل حصول طهران على مكونات تدخل في صناعة الطائرات المسيرة.

وقالت في بيان، إن الشركات متورطة في شراء أجزاء تدخل في صناعة الطائرات المسيرة لصالح شركتين إيرانيتين مدرجتين على قائمة العقوبات.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن "إيران لا تزال تحاول العثور على طرق جديدة لشراء المكونات الرئيسية لتعزيز برنامج أسلحتها المسيرة، من خلال شركات واجهة جديدة وموردين من دول أخرى".

وأضاف أن "وزارة الخزانة ملتزمة بعرقلة المخططات التي تمكّن إيران من إرسال أسلحتها الفتاكة إلى وكلائها الإرهابيين وغيرهم من الجهات المزعزعة للاستقرار".

وزارة الخارجية الأميركية قالت بدورها إن القرار "يأتي ضمن حملة الضغط الأقصى للرئيس ترامب على النظام الإيراني" وأن الولايات المتحدة ستستخدم جميع الوسائل المتاحة لكشف وتعطيل تطوير إيران المتزايد للطائرات المسيّرة والصواريخ وانتشارها، ما يزعزع استقرار الشرق الأوسط وما وراءه.

وأضافت الوزارة في بيان، أنها ستواصل التحرك ضد المخططات المعقدة التي يستخدمها إيران لإخفاء حصولها على التكنولوجيا الحساسة لبرامجها الصاروخية والمسيّرة، مشيرة إلى أن هذه البرامج تنتج صواريخ وطائرات مسيّرة تستخدمها إيران ضد حلفائنا وتصدرها إلى مجموعات الإرهاب التابعة لها وروسيا.

وتأتي العقوبات عقب القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق من هذا الشهر بإعادة العمل بسياسة "الضغوط القصوى" من خلال العقوبات على طهران، وهو ما يعكس نهجه خلال ولايته الأولى.

وأعلنت الولايات المتحدة، الاثنين، فرض عقوبات على أكثر من 30 شخصا وسفينة مرتبطة بإيران، بمن فيهم رئيس شركة النفط الوطنية بسبب التوسط في بيع النفط الإيراني وشحنه. 

أميركا

معاداة السامية في أميركا... من أين جمع إلياس رودريغيز مصادر كراهيته؟

رامي الأمين
22 مايو 2025

اختار إلياس رودريغز تجمعاً من أربعة أشخاص خارج المتحف اليهودي في واشنطن، وأطلق عليهم النار ليقتل رجلاً وامرأة يعملان في السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأميركية. 

لم يكن اختياره للمكان عبثياَ، ولا يخفي الاختيار تقصّد رودريغز استهداف يهود خارج متحف يهودي. 

أعلن رودريغيز عن رسالة سياسية حينما هتف "الحرية لفلسطين"، بعد أن نفذ جريمته الدموية، لكن فعله أعاد النقاش حول معاداة السامية في الولايات المتحدة إلى الواجهة، خصوصا أن الجريمة، حملت إلى جانب البصمات السياسية، بصمات أيديولوجية يسارية متطرفة.

شهد العامان الماضيان ارتفاعاً مقلقاً في مستويات معاداة السامية في الولايات المتحدة، بعد هجوم السابع من أكتوبر الدموي الذي شنته حركة "حماس" ضد إسرائيل. وبحسب إحصاءات لـ"رابطة مكافحة التشهير"، شهد العامان ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، زيادة كبيرة في أعداد حوادث معاداة السامية الموثقة، كما شهد العقد الأخير زيادة بنسبة ٨٩٣٪ في حوادث معاداة السامية.

ومع أن معاداة السامية، تُنسب بداياتها في أميركا إلى العام ١٨٧٧، عندما رُفض دخول المصرفي اليهودي جوزيف سيليغمان إلى فندق في ساراتوغا سبرينغز في ولاية يوتا، إلا أن المؤرخ جوناثان دي سارنا يؤكد أن المشاعر المعادية لليهود كانت موجودة من قبل، وأنها كانت حاضرة في التاريخ الأميركي المبكر، وكانت أكثر انتشاراً مما يُعتقد. 

ويدعو المؤرخ الأميركي إلى إعادة تقييم موضوعية وشاملة للتاريخ اليهودي الأميركي، تعترف بوجود معاداة السامية كعنصر دائم الحضور، وليس ظاهرة متأخرة أو هامشية.

أما كيفية تمظهر معاداة السامية في الولايات المتحدة، فيستعرضها كل من الباحثين ديفيد آر. هودج وستيفاني كلينتونيا بودي في ورقة بحثية منشورة. 

فمعاداة السامية، "متجذرة في صور نمطية قديمة وتفاعلات القوى بين الأقليات والأغلبية"، بحسب الباحثة والباحث، وهي "تتفاقم بفعل الحسد الاجتماعي، والمعلومات الخاطئة، وانتشار الكراهية عبر الإنترنت، وخصوصا في الـ"دارك ويب". ولا يغفل الباحثان تمظهرها، بأشكال مختلفة عبر "الطيف السياسي".

ويلاحظ كل من الباحث والباحثة، في الدراسة المنشورة قبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، أن هناك خلطا أحيانا بين انتقاد إسرائيل سياسياً ومعاداة السامية، لكنهما يشيران إلى أن "معاداة الصهيونية تستخدم كقناع لمشاعر عدائية تجاه اليهود"، وأن "العديد من الخطابات المعادية لإسرائيل تكرر رموزًا وسرديات تقليدية معادية للسامية".

موقع "الحرة" سأل المؤرخ الآميركي جيفري هيرف عن قراءته للحادثة. 

تحظى أبحاث هيرف بتقدير نقدي واسع لما تتسم به من دقة بحثية وعمق تحليلي، وفضلا عن كونه متخصصا في أشكال من معاداة السامية المستندة الى خلفيات أيديولوجية مختلفة ومتباينة وتشابكها المعقد.

رسائل تعاطف في متحف اليهود في العاصمة الأميركية واشنطن، بالقرب من الموقع الذي قُتل فيه اثنان من موظفي السفارة الإسرائيلية بالرصاص، 22 مايو 2025. رويترز
من هو منفذ الهجوم على المتحف اليهودي في واشنطن؟
في حادثة أثارت صدمة واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية، أوقفت السلطات الأميركية شابًا يُدعى إلياس رودريغيز، يبلغ من العمر 30 عاما، وهو من سكان شيكاغو بولاية إلينوي، بعد الاشتباه بضلوعه في حادث إطلاق نار أدى إلى مقتل اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن، مساء الأربعاء.

هيرف يرى أن الجريمة التي وقعت في واشنطن هي بوضوح من أعمال معاداة السامية وكراهية اليهود. يصفها هيرف بأنها "مجزرة فردية" أو نسخة حديثة من "صيد اليهود"، شبيهة بروح الجرائم النازية التاريخية. 

ويقرأ هيرف في الخلفيات الأيدولوجية لإلياس رودريغز، المرتبط بحزب ماركسي-لينيني يُعرف باسم "حزب الاشتراكية والتحرير"، ما يشير بحسب هيرف إلى أن "معاداة السامية اليسارية، وليست فقط اليمينية أو الإسلاموية، يمكن أن تدفع نحو العنف".

وربما يكون هيرف أبرز من وضع تصنيفات تفصيلية لظاهرة معاداة السامية عالمياً في دراساته وكتاباته. وهو يتحدث عن وجوه ثلاثة لمعاداة السامية. وعلى الغالب بحسب المتوفر من معلومات حول منفذ هجوم واشنطن، فإن الياس رورديغز يمثل الوجه الثاني بحسب تصنيف هيرف وهو "الهجمات اليسارية العلمانية على إسرائيل".

يذهب هيرف إلى أن هذا الشكل من معاداة السامية يُقرن اليهود بالنظام الرأسمالي، ويظهر في صورة هجومية شرسة ضد دولة إسرائيل. 

ويُعد من أفكار هيرف المركزية والجريئة القول بأن معاداة الصهيونية ومعاداة السامية مترابطتان بشكل لا يقبل الفصل. ويُجادل بأن ما يُقدَّم غالبًا كـ"نقد سياسي مشروع" للصهيونية يخفي في حقيقته عداءً عميقًا لليهود، وذلك لإكساب هذا الخطاب غطاءً من الشرعية.

أما الوجهان الآخران لمعاداة السامية، بحسب تصنيف هيرف، فهما الشكل التقليدي والأكثر وضوحاَ تاريخياً لمعاداة السامية، في السرديات النازية واليمينية المتطرفة، التي كانت أفكارها وتصوراتها المحرّك الأساسي لمشروع الإبادة الجماعية النازي خلال الهولوكوست.

ورغم أنّ هذا النمط العلني من "كراهية اليهود الرجعية" فقد الكثير من شرعيته المجتمعية في أوروبا والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن أفكاره، بحسب هيرف، الجوهرية لا تزال حاضرة في حركات النازيين الجدد وغيرها من تيارات اليمين المتطرف.

الوجه الثالث يتمثل في ما يسميه بـ"الاعتداءات الإسلاموية"، وهو نمط "آخذ في التصاعد، ويستند إلى تأويلات معينة للتراث الإسلامي في القرن العشرين، ويوجه العداء تجاه اليهود واليهودية ودولة إسرائيل. 

ويتتبع هيرف أصول هذا الخطاب، مبرزًا التعاون المبكر بين بعض التيارات الإسلامية وألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. ويلاحظ استمرار هذا النهج في العالم العربي، خصوصًا في ميثاق حركة حماس لعام 1988، ويعدّ هجوم 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل ذروة هذا التيار.

ويصف هيرف هذا النمط بأنه "أخطر وأشد الأوجه تأثيرًا في كراهية اليهود المعاصرة".

يربط هيرف في حديثه مع موقع "الحرة" الجريمة بـ"الخطاب الراديكالي المنتشر في الجامعات الأميركية"، مشيراً إلى أن شعارات مثل "من النهر إلى البحر، فلسطين حرة" مهّدت لأعمال كهذه. ويحذّر هيرف من أن البيئة الجامعية ساهمت أيديولوجياً في تغذية الهجوم.

ويعكس هذا الهجوم، كما يلاحظ هيرف، اندماجاً أيديولوجياً بين معاداة السامية الدينية الاسلامية المتطرفة واليسارية الراديكالية.

ويشير هيرف إلى ميثاق حماس لعام 1988، معتبراً إياه وثيقة دينية صريحة تُعلن الحرب على اليهود، وليس فقط على الصهاينة، وانتقد تجاهل الغرب لها.

ويُولي هيرف اهتمامًا خاصًا لمفهوم "التلقيح المتبادل" بين وجوه معاداة السامية، لاسيّما حين بدأت الأيديولوجيتان اليسارية والإسلاموية في دمج معاداة السامية بمعاداة الصهيونية بعد عام 1945. وبالتالي قد تكون الجريمة التي شهدتها واشنطن نتاج هذا التلقيح المتبادل، إذا ما تبين أن لرودريغز تأثر بأفكار "حماس"، أو أي تنظيمات إسلامية أخرى.

يشدد هيرف في حديثه مع "الحرة" على أن معاداة السامية "لا تضر اليهود فقط، بل تدمر المجتمعات العربية أيضاً، إذ تؤدي إلى نشوء أنظمة فاشلة سياسياً واقتصادياً مثل نظام الأسد، وحماس في غزة، والنظام الإيراني، بسبب رؤى مشوهة للواقع".

ويؤكد هيرف على أن التركيز الأكاديمي على معاداة السامية النازية وارتكابها الهولوكوست لا غنى عنه، لكن التصدي الفعّال لأشكال معاداة السامية المعاصرة يقتضي دراسة معمّقة لأشكالها اليسارية والإسلاموية كذلك.

رامي الأمين