U.S. President Trump delivers a speech to a joint session of Congress
يسعى الجمهوريون لضمان تمرير مشروع قانون الإنفاق

كشف رئيس مجلس النواب الأميركي، مايك جونسون، السبت، عن مشروع قانون إنفاق يهدف إلى تمويل الحكومة الفيدرالية حتى نهاية سبتمبر المقبل، في محاولة لتجنب إغلاق حكومي محتمل بعد 14 مارس. 

ويسعى الجمهوريون لإقرار مشروع قانون التمويل الحكومي دون الاعتماد على دعم الحزب الديمقراطي كما جرت العادة في تشريعات الإنفاق السابقة. 

ويتوقع أن يؤدي هذا التحرك الجمهوري إلى نقاش تشريعي مكثف في جلسات الكونغرس، خاصة في ظل الأغلبية المحدودة التي يتمتع بها الجمهوريون في مجلس النواب والحاجة إلى تأمين أصوات من الحزبين في مجلس الشيوخ لتمرير هذا التشريع.

ويعتمد الجمهوريون على دعم الرئيس دونالد ترامب، الذي دعا أعضاء حزبه إلى الوحدة والتصويت لصالح المشروع، مشدداً على أهميته في "وضع البيت المالي للبلاد في النظام الصحيح". 

وشدد ترامب، في منشوراته على منصة "تروث سوشيال"، على ضرورة تمرير هذا القانون لتمهيد الطريق أمام أولوياته التشريعية الأوسع المتعلقة بخفض الضرائب وتقليص الإنفاق.

معالم مشروع التمويل المؤقت

مشروع قانون التمويل المؤقت، الذي يعرف أيضا باسم "قرار الاستمرارية"، تشريع من 99 صفحة قدمه رئيس مجلس النواب، السبت.

ويهدف القانون إلى تمويل الحكومة الفدرالية بالكامل حتى نهاية السنة المالية الحالية في 30 سبتمبر المقبل.

ومن حيث المخصصات المالية، يتضمن المشروع حوالي 892.5 مليار دولار للإنفاق الدفاعي، بزيادة تقدر بـ 6 مليارات دولار عن العام السابق، ونحو 708 مليارات دولار للإنفاق غير الدفاعي، بانخفاض يقدر بـ 13 مليار دولار عن العام الماضي.

ويمثل هذا تخفيضاً في الإنفاق بحوالي 7 مليارات دولار مقارنة بمستويات السنة المالية 2024، وهو ما يقل عن سقوف الإنفاق التي حددها قانون المسؤولية المالية لعام 2023.

ومن بين أهم ما جاء به المشروع الجديد، استبعاد ما يُعرف بـ"المشاريع المجتمعية" أو "المخصصات" التي اعتاد المشرعون طلبها لدوائرهم الانتخابية. 

كما خصص المشروع أكبر زيادة في أجور العسكريين المبتدئين منذ أكثر من 40 عاماً، وهو ما استهدف به الجمهوريون استمالة المدافعين عن الإنفاق العسكري في الحزب. 

ويخصص 500 مليون دولار إضافية لبرنامج المساعدة الغذائية للنساء والرضع والأطفال الصغار (WIC).

ويتضمن المشروع أيضا تمويلاً إضافياً لهيئة الهجرة والجمارك (ICE)، ويمدد أيضاً مجموعة من برامج الصحة المنتهية الصلاحية من 1 أبريل إلى 30 سبتمبر، بما في ذلك تغطية "ميديكير" للاستشارات الصحية عن بُعد مع الأطباء وتمويل مراكز الصحة المجتمعية.

ومن النقاط المثيرة للجدل في المشروع استعادة 20.2 مليار دولار من الإنفاق المخصص لمصلحة الضرائب  (IRS)، والذي كان قد تم إقراره كجزء من قانون خفض التضخم للطاقة الخضراء الذي وقعه الرئيس السابق جو بايدن.

على الصعيد العسكري، يمنح المشروع مرونة إضافية للبنتاغون في تحويل الأموال بين الحسابات المختلفة، وهي ميزة غير معتادة في قرارات الاستمرارية، ما قد يسمح بالإنفاق على مشاريع جديدة مثل برنامج غواصات فيرجينيا والسفن التي تبنيها شركات مثل "جنرال ديناميكس" و"إتش آي آي" لبناء السفن في "نيوبورت نيوز".

ولا يغطي مشروع القانون غالبية الإنفاق الحكومي الإلزامي، بما في ذلك برامج الضمان الاجتماعي و"ميديكير" و"ميديكيد"، لأن تمويل هذه البرامج يعمل بشكل تلقائي ولا تتم مراجعته بانتظام من قبل الكونغرس. 

ومع ذلك، فإن هذه البرامج، وخاصة "ميديكيد"، تمثل محور خلاف رئيسي بين الحزبين، إذ يشير الديمقراطيون إلى أن الجمهوريين يخططون لاستهدافها في حزمة توفيق الميزانية المنفصلة التي تستهدف خفض نحو 880 مليار دولار من الإنفاق.

ويهدف هذا المشروع، وفقا للرئيس ترامب، إلى "تجميد الإنفاق" بشكل فعال لهذا العام تمهيداً لتمرير حزمة أوسع من التخفيضات الضريبية (تقدر بـ 4.5 تريليون دولار على مدى العقد المقبل) وتخفيضات في الإنفاق (بقيمة 2 تريليون دولار) في وقت لاحق. 

هل ينجح الجمهوريون في تمرير المشروع؟

يخطط رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، لطرح المشروع للتصويت، الثلاثاء، معتمداً على أغلبية جمهورية ضيقة بواقع 218-214 مقعداً، مما يعني أنه لا يمكن تحمل أكثر من انشقاق واحد إذا صوت جميع النواب وإذا وقف الديمقراطيون موحدين ضد المشروع.

ويراهن جونسون وترامب على قدرتهما في إقناع الجمهوريين، الذين عادة ما يرفضون قرارات التمويل المؤقتة، بالتصويت لصالح المشروع هذه المرة. 

وحتى لو نجح المشروع في مجلس النواب، فإنه سيواجه تحدياً أكبر في مجلس الشيوخ، حيث سيحتاج زعيم الأغلبية جون ثون، إلى تأمين أصوات ما لا يقل عن سبعة أو ثمانية من الديمقراطيين للحصول على الأغلبية المطلوبة البالغة 60 صوتاً، وذلك بافتراض أن جميع الجمهوريين البالغ عددهم 53 سيصوتون لصالحه.

الموقف الديمقراطي

يعارض الديمقراطيون بشدة مشروع القانون المؤقت، معتبرين أنه يقوض سلطة الكونغرس ويعطي إدارة ترامب، وإيلون ماسك تحديداً، سلطات واسعة غير مسبوقة في تحديد أولويات الإنفاق الفيدرالي. 

ووصفت النائبة روزا ديلاورو، كبيرة الديمقراطيين في لجنة الاعتمادات بمجلس النواب، المشروع بأنه "يسلم سلطة المشرعين إلى ملياردير غير منتخب".

وأعلنت القيادة الديمقراطية في مجلس النواب، بمن فيهم زعيم الأقلية حكيم جيفريس، أنهم سيصوتون بـ"لا" على المشروع، معتبرين أن تجميد الإنفاق سيؤدي فعلياً إلى تخفيضات في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية والمساعدة الغذائية ومزايا المحاربين القدامى. 

كما أكدوا أن "برنامج ميديكيد هو خطهم الأحمر" الذي لا يمكن المساس به.

وفي مجلس الشيوخ، قالت السناتورة باتي موراي من واشنطن إن التشريع سيمنح "ترامب وماسك سلطة أكبر على الإنفاق الفيدرالي.. مما يهدد العائلات في الولايات الزرقاء والحمراء على حد سواء".

ويفضل الديمقراطيون بدلاً من ذلك مشروع قانون قصير الأجل لتجنب الإغلاق، مما يتيح استمرار المفاوضات حول مشاريع قوانين مخصصات مفصلة تسمح بنمو متواضع (1 بالمئة) في كل من الإنفاق الدفاعي وغير الدفاعي، وفقاً للسقوف التي تم الاتفاق عليها في قانون المسؤولية المالية لعام 2023.

وبالرغم من حدة الخلافات، يتجنب كلا الحزبين التسبب في إغلاق حكومي.

وفي حال فشل التصويت على مشروع القانون في أي من المجلسين، فمن المتوقع أن يلجأ الكونغرس إلى تمرير مشروع قانون مؤقت قصير جداً لشراء وقت إضافي للتوصل إلى تسوية، وهو الأمر الذي فشل فيه المشرعون منذ بداية السنة المالية في أكتوبر، الماضي.

ترامب

في 20 يناير 2025، بعد دقائق من أدائه اليمين الدستورية لبدء ولايته الثانية، وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حزمة أوامر تنفيذية، وصف أحدها بـ"الكبير" ـ الذي سيتردد صداه، لاحقا، في جميع أنحاء العالم.

كان جالسا إلى منضدته الرئاسية في المكتب البيضاوي؛ على يمينه صندوق مليء بأقلام "شاربي،" أحدها كان ينتظر بفارغ الصبر بين أصابع يده اليمنى، وحين تسلم ترامب من أحد مساعديه ملفا، سأل المساعدَ:

"ما هذا؟".

"الانسحاب من منظمة الصحة العالمية".

"أوه، هذا كبير،" عقّب ترامب، وهو يفرد ملف الأمر التنفيذي على المنضدة. لكن قبل أن يهوي بقلمه على الملف، ذكّر بأنه سبق أن أوقف دعم الولايات المتحدة لمنظمة الصحة في ولايته الأولى، لأسباب منها "غياب العدالة" في التمويل.

وأشار ترامب، تحديدا، إلى الاختلال بين مساهمة الولايات المتحدة ومساهمة الصين في دعم الصحة العالمية.

وقال إن المنظمة عرضت عليه أن يدفع أقل، وإن سلفه ـ جو بايدن ـ الذي أعاد تمويل المنظمة خلال رئاسته بين 2020-2024، كان بإمكانه أن يتفاوض لكي يدفع أقل.

لم يكن إعلان ترامب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية (WHO) في أول يوم من ولايته الثانية مصادفة، بل كان رسالة مفادها أن سياسته الخارجية ستكون، في هذه المرحلة أكثر حزما، أحادية إذا تطلب الأمر، وترتكز بقوة على مبدأ المصلحة الوطنية: "أميركا أولا".

رسّخ قرار الانسحاب من منظمة الصحة، أيضا، الثيمة التي هيمنت على أول مئة يوم من ولاية ترامب الثانية، وهي الضغط لإعادة التفاوض من أجل رسم خريطة جديدة في علاقات الولايات المتحدة بالعالم الخارجي، تجاريا وسياسيا.

هذه الخريطة الجديدة، ما هي ملامحها؟ 

ماذا يريد ترامب، عالميا؟ وما هي وسائله لتحقيق مبتغاه؟

هل هناك ملامح واضحة لعقيدة "ترامبية" محددة في السياسة الخارجية الأميركية؟ 

هذه محاولة إجابة!

ساحر أوز العجيب

في رواية ليمان فرانك بوم، "ساحر أوز العجيب"، يختطف إعصار هائل الصبية دورثي من منزلها في كنساس، ويلقي بها في أرض أوز السحرية، وخلال رحلة العودة تتجلى أمامها الحقيقة: "لا مكان مثل الوطن".

تلك العبارة أضحت من أشهر الاقتباسات التي تعبر عن روح الوطنية الأميركية، ورددها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حامل شعار "أميركا أولا"، في قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC)، في فيتنام عام 2017.

"العالم فيه العديد من الأماكن، والعديد من الأحلام والعديد من الطرق، ولكن في كل العالم لا يوجد مكان مثل الوطن"، قال ترامب في خطاب عن القومية والعالم، ألقاه أمام زعماء 21 دولة.

في تلك القمة حض ترامب ـ وكان في بداية ولايته الرئاسية الأولى ـ زعماء العالم على تحقيق مصالح بلدانهم، التي "يتوجب أن تعلو فوق أي مصلحة".

وكان فوز ترامب المفاجئ في انتخابات 2016، قد جعل شعاره "أميركا أولا" عنوانا لمرحلة جديدة في العقيدة السياسية الأميركية.

العقيدة السياسية؟

في حوار أجراه موقع "الحرة" في يناير الماضي، يعرّف أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت، العقيدة في السياسة الخارجية بأنها استراتيجية كبرى تحدد نوع العلاقات الدولية التي يتبناها الرئيس، وهو ما يمكن أن ينطبق على عقيدة مونرو، أو عقيدة ترومان، أو عقيدة ريغان.

ترتكز عقيدة الرئيس جيمس مونرو، على سبيل المثال، والتي عبر عنها في ديسمبر 1823 أثناء خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس، على معارضة الاستعمار الأوروبي في نصف الكرة الشمالي، وتعتبره عملا عدائيا.

أما ريغان، فحدد "عقيدته" في فبراير عام 1985، عندما قال: "يجب ألا نخون ثقة من يخاطرون بحياتهم - من أفغانستان حتى نيكاراغوا- لمواجهة العدوان المدعوم من الاتحاد السوفيتي، ويجب أن نصون الحقوق التي لطالما كانت لنا منذ الولادة".

داخليا، كانت أميركا في ذلك الوقت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بسبب التضخم.

عقيدة ترامب

بدأت ملامح عقيدة ترامب السياسية تتوضح ابتداء من أبريل 2016، عندما استخدم عبارة "أميركا أولا" مع انطلاق حملته الانتخابية.

وبعد فوزه في الانتخابات، تعهد خلال خطاب التنصيب في يناير 2017 بأن "رؤية جديدة" ستحكم أميركا.

ومنذ ذلك الحين، بات شعار "أميركا أولا" بمثابة اسم ثان للترامبية في السياسة الأميركية، رغم أنه لم يكن أول سياسي أميركي يستخدم المصطلح.

المرشح في سباق الرئاسة لعام 2000، بات بيوكانان، استخدم شعار "أميركا أولا" خلال حملته الانتخابية.

أما عبارة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، التي اقترنت بترامب وتعرف اختصارا بـ"ماغا"، فاستخدمها رونالد ريغان في حملته الانتخابية عام 1980.

اختار بيوكانان شعار "أميركا أولا"، الجذاب شعبيا، بعد أن فشل مرتين في التسعينيات في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة.

وعنت العبارة بالنسبة لبيوكانان الانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، ومعارضة التدخل العسكري في الخارج، من بين أشياء أخرى.

لكن آخرين يشيرون إلى تاريخ سابق لشعار "أميركا أولا".

ترتبط العبارة بـ"لجنة أميركا أولا" التي دعت بين عامي 1940ـ1941 إلى عدم انخراط الولايات المتحدة في النزاعات الخارجية خلال الحرب العالمية الثانية. اجتذبت اللجنة، آنذاك، عددا كبيرا من الناشطين، وزعمت أن عدد أعضائها تجاوز 800 ألف عضو، وكان من بينهم قطب السيارات الأميركي هنري فورد.

لكن ترامب أعاد تعريف "أميركا أولا" ببساطة كبيرة:

"أميركا ستضع مواطنيها وقيمها واهتماماتها في المقام الأول، مثلما ينبغي أن تفعله جميع الدول"، تقول وثيقة نشرها البيت الأبيض في سبتمبر 2017.

وتشير الوثيقة، التي تحدد سياسة خارجية قائمة على "الواقعية المبدئية"، إلى "استراتيجية العمل من أجل المصلحة الوطنية الأميركية وبما يتفق مع قيمنا".

التدخل حسب الموقف

تصف دراسة نشرت على موقع كلية غيتيسبيرغ الأميركية أيدولوجية "أميركا أولا" في سياسة ترامب الخارجية بأنها "الانعزالية والتدخل حسب الموقف،" على النقيض من سياسة سلفه، آنذاك، باراك أوباما.

أوباما وضع أميركا على قدم المساواة مع الدول الأخرى، وتعاون مع المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمات التجارة واتفاقية المناخ.

وتخلت عقيدة ترامب "بشكل متعمد"، وفق الدراسة، عن السياسة الخارجية لأوباما والرؤساء السابقين، وحتى الجمهوريين منهم.

لا تنكر الدراسة "عقيدة ترامب"، لكنها ترى أنها "تستند أكثر إلى التفضيلات الشخصية والعاطفة بدلا من اتباع نموذج سياسي صارم".

ما ليس ترامب

يعرف الكاتب المحافظ، مايكل أنتون، فكر ترامب السياسي بما ليس هو:

"ترامب ليس من المحافظين الجدد أو المحافظين القدماء، ولا من الواقعيين التقليديين ولا من الليبراليين الدوليين".

"ينطبق الشيء ذاته على حقيقة أن ترامب لا يميل فطريا إلى الانعزالية أو التدخل،" يتابع أنتون، "وهو ليس حمامة أو صقر. ولا تندرج سياسته الخارجية بسهولة في أي من هذه الفئات، على الرغم من أنها تستمد من كل منها".

لكنّ أنتون يلاحظ، مثل كثيرين، أن شعار "أميركا أولا" لا يجب أن يكون مستغربا لأن البلدان يجب أن تضع مصالحها الخاصة في المقام الأول.

طالما جادل ترامب ومريدوه من "اليمين الجديد"، بأن العولمة كلفت الولايات المتحدة غاليا، وكانت مفيدة للقوى الصاعدة التي تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة على النفوذ والزعامة.

وطالما هاجم ترامب سياسات قال إنها تستجيب لاهتمامات النخبة التي تروج لفكرة أن من مصلحة أميركا البقاء في حلف شمال الأطلسي واستمرار العولمة.

لذلك سعى خلال رئاسته الأولى إلى ما وصفه بـ"تصحيح المسار". 

أعلن نهاية ما وصفها بـ"الامتيازات المجانية،" وأصر على أن يدفع أعضاء حلف شمال الأطلسي "نصيبهم العادل"، سواء في ما يتصل بالضمانات الأمنية أو الصفقات التجارية.

وفي الأشهر الأولى من ولايته الثانية، أعادت ترامب التشديد على ضرورة أن تزيد الدول الأعضاء إنفاقها الدفاعي. وكشف، من خلال موقفه الداعي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، عن إدارة أميركية أقل ميلا إلى الالتزام باتفاقيات الدفاع الجماعي.

ويلخص الكاتب جورج فريدمان "مبدأ ترامب" في أنه سياسة "نزع فتيل المواقف التي قد تتطلب اتخاذ إجراءات عسكرية، والانخراط بدلا من ذلك في سياسة اقتصادية هجومية".

وتأتي أفكار ترامب، وفق الكاتب، على خلفية وضع دولي يشهد انتشار القوات الأميركية حول العالم، وهو وضع يخلق توترا لأن الولايات المتحدة قد تجد نفسها متورطة في حرب مكلفة وعلى أكثر من جبهة في الوقت ذاته، لذلك فإن الأفضل هو اتباع مبدأ الدبلوماسية.

لذلك اختار ترامب، في الولاية الأولى، "التفاهم " مع كوريا الشمالية، واتبع مسارا دبلوماسيا مع روسيا، خاصة وأنها كانت لديها قوات في سوريا قد تتقاطع في أماكن انتشار القوات الأميركية.

وفي نفس السياق، يبدو ترامب وكأنه يسير عكس التيار في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. إذ رغم الدعوات ـ من الداخل الأميركي ومن خارجه ـ إلى استخدام القوة لتفكيك البرنامج النووي الإيراني، تنخرط الإدارة الأميركية منذ أسابيع في محادثات مع الإيرانيين للوصول إلى حل سلمي يفكك الطموحات النووية لطهران.

وعرف ترامب بانتقاداته لحرب العراق وعمل خلال ولايته الرئاسية الأولى إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وإعادة الجنود الأميركيين إلى الوطن.

يعتقد ترامب، وفق رؤية فريدمان، أن "الذهاب إلى الحرب خيار خاطئ لأن نوايا الخصوم غير متوقعة، والحل يكمن في الحفاظ على الوجود وتجنب القتال والانخراط في مفاوضات مطولة قد تؤدي إلى شيء أو لا شيء ولكنها قد تقلل من التهديد العسكري".

السياسة قطعة قطعة

العقيدة السياسية تعني أن "كل الإجراءات التي يتخذها الرئيس تستند إلى مجموعة من الافتراضات حول كيفية عمل العالم، والتوقعات، والعلاقات، وما إلى ذلك،" يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، تود بيلت.

"أما ترامب،" يضيف بيلت، "فهو على العكس تماما، يأخذ كل شيء قطعة قطعة. ويتعامل مع الأمور على أنها صفقات (تجارية)".

ترامب "لا يفضل الاتفاقيات متعددة الأطراف. هو يحب الاتفاقيات الثنائية وأن يكون هو الشخص الذي يبرم الصفقة"، يتابع بيلت.

"أميركا أولا"، بالنسبة لبيلت، ليست عقيدة "لأنها لا تتعلق بكيفية التفكير في شؤون العالم والاستجابة للتهديدات الدولية.

وتقضي بـ"ألا تعمل الولايات المتحدة مع أي جهات فاعلة دولية أخرى ما لم يكن ذلك ضروريا، ومن أجل المصلحة الدولية والوطنية".

وفي نفس الاتجاه يذهب ريتشارد وايتز، محلل السياسيات الأمنية في معهد هدسون: "ترامب لا يملك عقيدة" ثابتة. يقول وايتز في حاديث سابق مع موقع "الحرة" إن ترامب "لديه بعض القيم التي يريد تطبيقها، مثل الحد من الحروب، وزيادة دخل الأميركيين".

في بعض القضايا "يتسم بالحزم الشديد، مثل تغير المناخ، وقضايا أخرى يتسم فيها بالمرونة مثل الناتو، فهو لم يقرر بعد ما يمكن فعله بالنسبة للناتو. هو حازم في بعض القضايا ومنفتح في أخرى ويرحب بالتعليقات التي يتلقاها في هذا الشأن".

"أميركا أولا" 2.0

في ولايته الأولى، انسحب ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الغربية مع إيران عام 2015، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية صارمة، ركزت على خنق الاقتصاد الإيراني في ما عُرف بسياسة "الضغط الأقصى". وكان الهدف إجبار إيران على القبول باتفاق أكثر صرامة بشأن على برنامجها النووي.

وباستثناء استهداف الجنرال الإيراني قاسم سليمان في 2020، لم يلجأ ترامب إلى العمل العسكري ضد إيران، باستثناء حوادث متفرقة.

في الولاية الثانية، صعد ترامب النبرة تجاه إيران. وبدلا من الاعتماد بشكل أساسي على العقوبات، لوح علنا باللجوء إلى ضربات عسكرية إذا لم توافق إيران على اتفاق نووي وفق رؤية أميركية جديدة.

وهدد ترامب طهران بـ"عواقب وخيمة" تتجاوز العقوبات الاقتصادية في حال استمرارها في تطوير برنامج النووي.

وانخرطت إيران أخيرا في مفاوضات مع الولايات المتحدة بوساطة عمانية بشأن مستقبل برنامجها النووي.

أوكرانيا: الدعم شرط للسلام

وافق ترامب، في الولاية الأولى، على تقديم مساعدات عسكرية كبيرة لأوكرانيا، لكنه تعرض لاتهامات بتسييس تلك المساعدات خلال تحقيق العزل الأول في 2019.

في مستهل ولايته الثانية، علق ترامب المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وأوضح أن استمرار الدعم الأميركي مشروط بدخول أوكرانيا في مفاوضات لإنهاء الحرب مع روسيا.

مثّل تعامل ترامب مع ملف الحرب الروسية الأوكرانية، تحولا في السياسة الخارجية الأميركية من الدعم غير المشروط تقريبا إلى استخدام الدعم كأداة للضغط من أجل التفاوض لإحلال السلام.

روسيا: من الردع إلى السعي للتقارب

بشكل عام، حافظت إدارة ترامب الأولى على العقوبات المفروضة على روسيا، بل وزادتها بسبب تدخلها في الانتخابات الأميركية وضمها للقرم وقضايا أخرى.

الآن يركز ترامب على الدبلوماسية المباشرة مع روسيا، بهدف التفاوض على وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات لا تعتقد كييف أنها عادلة.

الصين: من حرب تجارية إلى منافسة شاملة

أطلق ترامب حربا تجارية واسعة ضد الصين، مستخدما الرسوم الجمركية كأداة رئيسية لمواجهة العجز التجاري وسرقة حقوق الملكية الفكرية. وفي الولاية الثانية، تصاعدت المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.

لم يكتفِ ترامب بزيادة الرسوم الجمركية بل دفع نحو تقييد الاستثمارات الصينية في القطاعات التقنية الأميركية، وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية ـ خصوصا في مجالات الأدوية وأشباه الموصلات ـ ودعم مبادرات الردع العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الترامبية واليمين الجديد

يعرف قاموس جامعة كامبريدج الترامبية بأنها سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب وأفكاره، فيما تذهب دراسات عديدة إلى أن الترامبية مثلت بداية حزب جمهوري جديد، يشكل "قطيعة حادة" مع أفكار الحزب والمبادئ التي اتبعها على مدى عقود خلت.

هل تبقى الترامبية بعد دونالد ترامب؟ يسأل كاتب نيويورك تايمز مايكل ليند:

"اختيار ترامب للسناتور جي.دي. فانس لمنصب نائب الرئيس يعني أن الجواب هو نعم،" يجيب الكاتب.

تمخضت الترامبية عن ظهور تيار سياسي جديد في الولايات المتحدة، بات يعرف بـ"اليمين الجديد".

وشاع استخدام المصطلح حديثا بالإشارة إلى مجموعة من المثقفين والسياسيين الجمهوريين الذين يعملون على تحويل الترامبية إلى أيديولوجية متماسكة.

أيديولوجية ستتاح لها أربع سنوات أخرى لتترسخ وتكتسب الزخم.