محطة تلفزيونية تبث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جيروم باول يتحدث في جاكسون هول على أرضية بورصة نيويورك
ترامب سمح بتعليق الرسوم الجمركية المضادة لمدة 90 يوما

انتعش الدولار الأميركي أمام عملات الملاذ الآمن بما في ذلك الين والفرنك السويسري، كما صعدت أسعار النفط، الأربعاء، لتتعافى من أدنى مستوياتها في أربع سنوات بعد أن أعلن الرئيس دونالد ترامب تعليق العديد من الرسوم الجمركية الجديدة على الشركاء التجاريين لمدة 90 يوما ورفعها على الصين مما أدى إلى تصعيد المواجهة.

وقال ترامب، الأربعاء، إنه سمح بتعليق الرسوم الجمركية المضادة لمدة 90 يوما، ولكنه سيرفع أيضا معدل الرسوم على الصين إلى 125 بالمئة تدخل حيز التنفيذ على الفور.

وشهد الدولار تراجعا مقابل العملات الرئيسية في وقت سابق من الجلسة بعد دخول الرسوم الجمركية المضادة التي فرضها ترامب على عشرات الدول حيز التنفيذ اليوم الأربعاء، بما في ذلك رسوم ضخمة 104 بالمئة على السلع الصينية.

وردت الصين بفرض رسوم 84 بالمئة على السلع الأميركية بداية من غد الخميس، كما وافقت دول الاتحاد الأوروبي اليوم الأربعاء أيضا على أول تدابير مضادة ردا على الرسوم الجمركية الأميركية.

وكتب كارل شاموتا كبير استراتيجيي السوق في كورباي في مذكرة للمستثمرين "بعد أن وجهت الأسواق رسالة إلى الإدارة الأميركية، من المرجح تمديد فترة "الوقف المؤقت" المعلنة لأكثر من تسعين يوما".

وفي وول ستريت ارتفعت المؤشرات الرئيسية الثلاثة عقب إعلان ترامب، إذ قفزت المؤشرات ناسداك المجمع 7.7 بالمئة وستاندرد اند بورز 500 القياسي ستة بالمئة وداو جونز الصناعي خمسة بالمئة.

وارتفع الدولار 0.3 بالمئة مقابل العملة اليابانية التي تعد من أصول الملاذ الآمن ليصل إلى 146.765 ين، معوضا خسائره السابقة خلال الجلسة. كما صعد 0.45 بالمئة مقابل الفرنك السويسري إلى 0.8500 فرنك.

كما صعدت أسعار النفط لتتعافى من أدنى مستوياتها في أربع سنوات كانت قد بلغته في وقت مبكر من الجلسة.

وبحلول الساعة 18:02 بتوقيت غرينتش، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 1.82 دولار أو 2.9 بالمئة لتصل إلى 64.64 دولار للبرميل. وقفزت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 2.77 دولار أو 4.65 بالمئة لتبلغ 62.35 دولار‭ ‬عند التسوية.

وخسرت عقود الخامين نحو سبعة بالمئة في وقت سابق من الجلسة قبل أن ترتد نحو الارتفاع.

وقال فيل فلين كبير المحللين في مجموعة برايس فيوتشرز "وصلنا إلى نقطة تحول في الصراع التجاري إذ يمنح ترامب الدول التي أبدت رغبتها في العمل على اتفاق للتخلص من الرسوم الجمركية بعض الوقت لتسوية الأمر".
وأضاف فلين "ما يفعله ترامب هو عزل الصين اقتصاديا".

وأعلنت الصين عن رسوم جمركية إضافية على السلع الأميركية إذ فرضت رسوما نسبتها 84 بالمئة على السلع الأميركية اعتبارا من غد الخميس ردا على سياسة الرسوم الجمركية التي ينتهجها ترامب.

ورغم ذلك، استمرت الحرب التجارية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة في الضغط على أسعار النفط.

وقال المحلل في يو.بي.إس جيوفاني ستونوفو إن الحرب التجارية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة تُثير مخاوف من ركود عالمي.

وأضاف "في حين أن الطلب على النفط لم يتأثر على الأرجح بعد، فإن المخاوف المتزايدة من ضعف الطلب على الخام خلال الأشهر المقبلة تتطلب انخفاض الأسعار لتحفيز تعديل في العرض يمنع حدوث فائض في السوق".

ودخلت تدابير مضادة في كندا، الحليف القريب للولايات المتحدة وشريكها التجاري الرئيسي، حيز التنفيذ، الأربعاء.

واتفقت دول الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، على فرض رسوم جمركية 25 بالمئة على مجموعة من السلع الأميركية في جولة أولى من التدابير المضادة، لتضاف إلى أخرى اتخذتها الصين وكندا.

وقالت يي لين نائبة رئيس أسواق السلع النفطية في ريستاد إنرجي "الرد الصيني الصارم يقلل فرص التوصل إلى اتفاق سريع بين أكبر اقتصادين في العالم، مما يثير مخاوف متزايدة من الركود الاقتصادي في جميع أنحاء العالم".

وانخفضت أسعار الخامين على مدى خمس جلسات متتالية منذ أن أعلن ترامب فرض رسوم جمركية شاملة على معظم الواردات إلى الولايات المتحدة، مما أثار مخاوف حيال تأثير الحرب التجارية العالمية السلبي على النمو الاقتصادي والطلب على الوقود.

ومما زاد من الضغط على أسعار النفط، قرار أوبك+ الأسبوع الماضي زيادة الإنتاج في مايو  411 ألف برميل يوميا وهي خطوة يرجح المحللون أنها ستدفع نحو وجود فائض في السوق.

وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة 2.6 مليون برميل إلى 442.3 مليون برميل الأسبوع الماضي، وذلك مقابل توقعات محللين في استطلاع لرويترز بزيادة قدرها 1.4 مليون برميل.

وقال جون كيلدوف الشريك في أجين كابيتال في نيويورك "الصادرات تراجعت، وسيتعين علينا أن نرى ما إذا كنا سنفقد قدرة الوصول إلى السوق الصينية، وما إذا كنا سنشهد تراجعا في وضع التصدير مستقبلا".
 

الطبقة العاملة الأميركية

لطالما كانت الطبقة العاملة الأميركية عماد اليسار في عهد "الصفقة الجديدة،" وقوة لا يستهان بها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بفضل النقابات. أما اليوم، فهي تميل بشكل متسارع نحو اليمين. 

في انتخابات 2024، فاز دونالد ترامب مجددا بولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بفضل دعم قوي من ناخبي الطبقة العاملة، كثيرون منهم سبق أن صوّتوا لباراك أوباما وجو بايدن.

في 2012، فاز أوباما بأصوات الطبقة العاملة. في 2016، خسرتها هيلاري كلينتون بفارق 7 نقاط. وضيّق بايدن الفجوة في 2020. لكن في 2024، خسرت كامالا هاريس هؤلاء الناخبين بـ13 نقطة على المستوى الوطني، و17 نقطة في ولاية بنسلفانيا وحدها.

هذا التحول وحده كان كافيا لإعادة ترامب إلى البيت الأبيض.

فما الذي تغيّر؟

هل هو الاقتصاد؟ العولمة؟ الحروب الثقافية؟ أم شيء أعمق من ذلك؟

بحسب الباحث في شؤون العمل الدكتور بول أف. كلارك، واستنادًا إلى بيانات جديدة من استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع وتحليل الحملات الانتخابية، فإن هذا التحول لا يرتبط فقط بفقدان الوظائف أو اتفاقيات التجارة الحرة، بل بثقافة وهوية واغتراب متزايد.

في هذا التقرير التفسيري، نحلل ما جرى من خلال نتائج ناخبي الطبقة العاملة في بنسلفانيا، الولاية الأكثر حسما في انتخابات 2024.

أولا: "إنه الاقتصاد، يا غبي"

لنبدأ من الاقتصاد، لأنه بالنسبة لكثير من ناخبي الطبقة العاملة، لا يزال على رأس الأولويات.

في انتخابات 2024، قال 37٪ من ناخبي بنسلفانيا إن الاقتصاد هو القضية الأهم، وفضّل 53٪ منهم ترامب على هاريس لمعالجته. وعلى الصعيد الوطني، اعتبر 31٪ من الناخبين أن الاقتصاد هو شغلهم الشاغل. ومن بين من شعروا بأن أوضاعهم المالية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، وهي شريحة شكّلت نحو 40٪ من ناخبي بنسلفانيا، تصدّر ترامب المشهد.

وركزت حملة هاريس على الإعفاءات الضريبية، ووضع سقف لأسعار الأدوية، وتوفير سكن ميسور التكلفة، لكن لا يبدو أن الرسالة وصلت كما يجب. كثير من الناخبين لم يشعروا بأن هذه السياسات تُحدث فرقًا ملموسًا في حياتهم اليومية، لا سيما في ظل قلق متزايد بشأن الأجور، والتضخم، وأمن الوظائف.

في المقابل، قدّم ترامب خطابا اقتصاديا يرتكز إلى "النوستالجيا": عودة الدولار الأضعف، والأسعار الأرخص، وانتعاش ما قبل كوفيد، مع تسليط الضوء... على سعر البيض!

الثقافة تتفوّق على الطبقة

قد يفاجئ البعض أن الانتخابات لم تكن، بالنسبة لكثير من الناخبين، مجرد حسابات اقتصادية، بل هي مواجهة ثقافية بامتياز.

يؤكد الدكتور كلارك أن القضية الأكثر تأثيرًا في تصويت الطبقة العاملة عام 2024 لم تكن البطالة أو التضخم... بل حقوق المتحوّلين جنسيًا.

"عندما يكبر الإنسان في عالم يُعرّف فيه الرجل كرجل والمرأة كامرأة، ثم يرى هذا الواقع يُقلب رأسًا على عقب، فإن ذلك يبعث على القلق. لا سيما لدى الناخبين الريفيين المحافظين،" يقول كلارك.

من أصل 993 مليون دولار صُرفت على إعلانات الحملات، خُصص 222 مليون دولار لموضوع المتحوّلين. الإعلانات صوّرتهم بشكل مبالغ فيه، ووصفت هاريس بأنها تدفع نحو "سياسات التي/هو"، بينما قُدّم ترامب كحام للقيم التقليدية.
والنتيجة؟ فعّالية ملموسة: ازداد دعم ترامب بـ2.7 نقطة مئوية بين من شاهدوا تلك الإعلانات.

بالإضافة إلى ذلك، يرى العديد من ناخبي الطبقة العاملة أن ترامب ليس فقط كحامٍ ضد "التحول الجنسي"، بل أيضًا كمدافع عن قيمهم مثل الأسرة التقليدية، والفخر الوطني، والإيمان.

أين كانت النقابات؟

لطالما شكّلت النقابات ركيزة للديمقراطيين، خاصة في ولايات متأرجحة كـ بنسلفانيا. لكن في 2024، اتسعت الفجوة بين العاملين المنضوين في نقابات وغير المنضوين.

لنفصّل قليلاً.

فازت هاريس بأصوات الأسر النقابية في بنسلفانيا بفارق 12 نقطة (56% مقابل 44%)، وهو تحسن كبير مقارنة ببايدن الذي خسر هذه المجموعة لصالح ترامب في 2020.

ما الذي تغيّر؟

عملت النقابات بأقصى طاقتها. 

بحسب AFL-CIO، شهدت انتخابات 2024 أكبر تعبئة تقودها نقابات في تاريخ أميركا. طرقوا الأبواب، وأرسلوا ملايين الرسائل، وأداروا خطوط الاتصال، واستقدموا كذلك متطوعين من ولايات مجاورة لدعم بنسلفانيا.

قادت منظمة UNITE HERE أكبر حملة ميدانية عمالية مستقلة، مستهدفة السود واللاتينيين في فيلادلفيا وضواحيها.
وكان لذلك أثر واضح.

لكن، هناك مشكلة: من ينتمون إلى النقابات لم يعودوا يشكّلون الأغلبية داخل الطبقة العاملة. والغالبية الخارجة عن هذه المنظومة هم من يخسرهم الديمقراطيون.

بين هؤلاء، لا سيما غير الحاصلين على شهادات جامعية، اكتسح ترامب: 58% مقابل 41% في بنسلفانيا. هذه الفجوة البالغة 17 نقطة كانت كافية لتفسير تقدّمه على مستوى الولاية.

لماذا هذا الانقسام؟

يشرح الدكتور كلارك: "النقابات بارعة في توعية أعضائها بشأن الانتخابات. تشرح لهم ما هو على المحك، وتوضح كيف تؤثر السياسات الاقتصادية في حياتهم".

أما خارج النقابات، فلا وجود للتوعية. لا منشورات، لا طرق على الأبواب. وفي هذا الفراغ، تتسلل رسائل الجمهوريين، عن الهجرة والمتحوّلين و"النخبة المستيقظة،" بلا مقاومة.

وما يزيد الطين بلة، أن النقابات تتجنّب عادة الخوض في القضايا الاجتماعية الشائكة. هي تركّز على الاقتصاد، الأجور، الرعاية الصحية، والسلامة. لذا، فإن من يضع قضايا مثل السلاح أو المتحوّلين على رأس أولوياته، قد لا يهتم كثيرًا بتوصية النقابة.

إخفاق هاريس

ما الذي حدث مع كامالا هاريس؟

الجواب: الكثير.

أولا، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير من المتوقع.

ثم كانت هناك قضية الهجرة، التي لم تلقَ صدى لدى العديد من الناخبين من الطبقة العاملة، خاصة عندما شاهدوا مقاطع فيديو تُظهر الفوضى على الحدود الجنوبية، إلى جانب العديد من الادعاءات التي صوّرت المهاجرين كمجرمين، بل والأغرب من ذلك، كمسيئين للحيوانات الأليفة.

لم تقدم إدارة بايدن-هاريس بديلا واضحا ومتماسكا. وبدلا من ذلك، تجنبت الحملة الديمقراطية إلى حد كبير تناول القضية، مما ترك فراغا ملأه ترامب بالخوف.

لماذا لم يرد الديمقراطيون؟

الجواب باختصار : تجنّبوا التصعيد. 

رأوا أن التركيز على حقوق الإجهاض، والاقتصاد، والديمقراطية أكثر أمانا. لكن بعدم مواجهتهم للحملات الثقافية، تركوا المجال مفتوحا لروايات الجمهوريين.

كما قال كلارك:

"ما لا تعرفه قد يخيفك. وإذا كان المصدر الوحيد لمعلوماتك عن قضايا مثل المتحوّلين أو الهجرة هو فوكس نيوز والإعلانات السياسية، فمن الطبيعي أن تتوقع الأسوأ".

الخلاصة: تحوّل حقيقي

التحول اليميني في صفوف الطبقة العاملة ليس عارضًا، بل هو جزء من إعادة تموضع أعمق.

انعدام الأمان الاقتصادي، والقلق الثقافي، والإحساس بالتهميش من قبل المؤسسات الليبرالية... كل ذلك أعاد رسم الخريطة السياسية. وترامب يخاطب هذا الاغتراب، حتى لو لم تكن سياساته تخدم ناخبيه مباشرة.

وما لم يتمكن الديمقراطيون من سد الفجوة الثقافية مع الحفاظ على أجندتهم الاقتصادية، فإنهم يخاطرون بخسارة هذه الفئة إلى الأبد.

كما خلص تقرير لـ"بروكينغز":

"بنسلفانيا تمثل التحدي الوطني للديمقراطيين. إن عجزوا عن فهمها، فلن يستطيعوا كسب أميركا".