انتشار الحيوانات في القرى المهجورة التي أصبح بعضها بلا سكان
انتشار الحيوانات في القرى المهجورة التي أصبح بعضها بلا سكان

نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية مقالا للكاتبة "كال فلين" حول انخفاض عدد المواليد في عدة دول حول العالم، وانتشار الحيوانات في القرى المهجورة التي أصبح بعضها بلا سكان.

وبدأت الكاتبة مقالها بالمقارنة بين أعداد المواليد في الماضي والحاضر، وقالت إنه "لسنوات عديدة بدا أن الزيادة السكانية كانت هي الأزمة التي تلوح في الأفق، وعام 1968 تنبأ عالما الأحياء في جامعة ستانفورد بول وآن آرليش في كتاب القنبلة السكانية، بأن الملايين سوف يموتون جوعا بسبب الزيادة السكانية".

وتابعت الكاتبة "في الوقت الذي كان فيه ينشرون نبوءاتهم السوداء، كان العالم في ذروته من النمو السكاني، وكان في ذلك الوقت يتزايد بمعدل 2.1٪ سنويا. ومنذ ذلك الحين ازداد عدد سكان العالم من 3.5 مليار إلى 7.67 مليار".

وبحسب فلين فإن "النمو تباطأ إلى حد كبير مع دخول المرأة مجالات العمل والقيادة، واستخدام وسائل منع الحمل، وتعثر معدلات المواليد في عدة بلدان، حيث يوجد الآن أقل من 2.1 طفل لكل امرأة، وهو الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على الاستقرار السكاني".

ووفقا للكاتبة يعتبر انخفاض معدلات الخصوبة مشكلة في أغنى دول العالم مثل اليابان وألمانيا، وفي كوريا الجنوبية انخفض معدل المواليد إلى 0.84 لكل امرأة في العام الماضي، وهو مستوى منخفض قياسي على الرغم من الجهود الحكومية المكثفة لتشجيع الإنجاب.

من المتوقع أن تشهد 23 دولة انخفاضا في عدد السكان بأكثر من النصف قبل نهاية هذا القرن

واعتبارا من العام المقبل سيتم دفع مكافآت نقدية قدرها 2 مليون وون (1800 دولار) لكل زوجين ينتظران مولودا في كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى مدفوعات إعانة الطفل الحالية.

كما انخفض معدل الخصوبة بشكل كبير في إنكلترا وويلز من 1.9 طفل لكل امرأة في عام 2012 إلى 1.65 فقط في عام 2019. وتشير الأرقام من مكتب الإحصاء الوطني لعام 2020 إلى أنه يمكن أن يكون 1.6 الآن، وهو أقل معدل منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية.

والمشكلة أكثر حدة في اسكتلندا، حيث انخفض المعدل من 1.67 عام 2012 إلى 1.37 في عام 2019.

وهذا هو الحال بشكل متزايد في البلدان المتوسطة الدخل أيضا، بما في ذلك تايلاند والبرازيل. وفي إيران أثار معدل المواليد البالغ 1.7 طفل لكل امرأة قلق الحكومة، وقد أعلنت مؤخرا أن عيادات الدولة لم تعد توفر وسائل منع الحمل أو تجري عمليات لمنع الإنجاب.

وبفضل هذا النمط العالمي من انخفاض مستويات الخصوبة، تتوقع الأمم المتحدة "نهاية للنمو السكاني في غضون عقود" قبل أن يبدأ هبوط أعداد السكان بشكل جدي.

نتطلع إلى مستقبل مختلف تماما عن المستقبل الذي كنا نتوقعه

وتوقعت دراسة نشرت في مجلة لانسيت العام الماضي أن يصل عدد سكان العالم إلى ذروته في وقت أبكر بكثير مما كان متوقعا، حيث سيصل إلى 9.73 مليار في عام 2064، قبل أن ينخفض ​​إلى 8.79 مليار بحلول عام 2100.

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن انخفاض معدلات المواليد من المرجح أن يكون له "تأثير كبير وعواقب اقتصادية واجتماعية وبيئية وجيوسياسية" حول العالم.

ومن المتوقع أيضا أن تشهد 23 دولة انخفاضا في عدد السكان بأكثر من النصف قبل نهاية هذا القرن، بما في ذلك إسبانيا وإيطاليا وأوكرانيا.

وفي الصين حيث اتبعت الحكومة سياسة الطفل الواحد لكل زوجين لإبطاء النمو السكاني، وانتهت هذه السياسة عام 2016، يتوقع أن تشهد انخفاضا هائلا في عدد السكان بنحو 48٪ بحلول عام 2100.

وأصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أننا نتطلع إلى مستقبل مختلف تماما عن المستقبل الذي كنا نتوقعه وفقا للكاتبة التي تقول إن "الأزمة من نوع مختلف، ويضع كبار السن الاقتصادات الضعيفة تحت ضغط أكبر من أي وقت مضى".

وفي اليابان هناك عدد قليل جدا من الأشخاص لملء جميع منازلها، ويوجد الآن واحد من كل ثمانية منازل فارغا، ويطلقون على هذه المنازل الشاغرة اسم "أكيا" أو "منازل الأشباح".

وغالبا ما توجد هذه المنازل في المناطق الريفية، وتكون بحاجة للإصلاح لأنها تركت فارغة بعد وفاة شاغليها، وكثير من الورثة الذين يعيشون في المدن لا يطالبون ولا يعتنون بهذه المنازل. وهناك العديد من المنازل غير معروفة الملكية، والسلطات المحلية غير قادرة على هدمها.

واتخذت بعض المدن اليابانية إجراءات لجذب سكان جدد، وعرضت دعم نفقات التجديد، أو حتى منح منازل للعائلات الشابة، ويترافق ذلك مع توقع انخفاض عدد السكان من 127 مليون إلى 100 مليون أو أقل بحلول عام 2049، ومن المتوقع أن تزداد منازل "الأكيا" لتشكل ثلث إجمالي المساكن اليابانية بحلول عام 2033.

ومع انخفاض عدد سكان الريف تتعزز الحياة البرية، ومع هجرة الحقول القديمة وازدياد الحدائق المهملة، تنتشر الدببة السوداء الآسيوية بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، حيث تبحث هذه الحيوانات عن المكسرات والفواكه غير المحصودة.

وفي الاتحاد الأوروبي يتوقع أن تهجر منطقة بحجم إيطاليا بحلول عام 2030. وإسبانيا واحدة من عدة دول أوروبية يمكن أن تفقد أكثر من نصف سكانها بحلول عام 2100. وبالفعل فثلاثة أرباع البلديات الإسبانية تشهد "حالة تدهور" سكاني.

وتعد غاليسيا وكاستيلا إي ليون من بين المناطق الأكثر تضررا، حيث فرغت مناطق بأكملها تدريجيا من سكانها. وهناك أكثر من 3000 "قرية أشباح" منتشرة بين التلال الآن، وهي معرضة للإهمال.

بدأت الطبيعة بالفعل في اختراق القرى والأرياف

وقال مارك أدكنسون وهو بريطاني يدير وكالة العقارات Galician Country Homes للـ"أوبزرفر" إن "أكثر من 1000 قرية مهجورة مسجلة لديه في الوكالة، وأحد العاملين يترك رسائل في الممتلكات المهجورة على أمل تعقب أصحابها وطرحها في السوق".

ويضيف أدكنسون "أنا هنا منذ 43 عاما، لقد تغيرت الأمور بشكل كبير، غادر الصغار القرى، وكبر الأهل، وأصبحوا يسكنون في بيوت قريبة من المستشفيات لأنه لا يمكنهم قيادة السيارات".

وكما هو الحال في اليابان، بدأت الطبيعة بالفعل في اختراق القرى والأرياف. ووفقا لخوسيه بينياس أستاذ علم البيئة في جامعة ألكالا في مدريد، تضاعفت مساحة الغابات في إسبانيا ثلاث مرات منذ عام 1900، حيث توسعت من 8٪ لتغطي 25٪ من الأراضي نظرا لعدم حراثة الأرض.

وقال بينياس إن "انخفاض عدد السكان سيستمر في التسبب في هجر الأراضي، لأنه سيكون هناك عدد أقل من البشر الذين يجب إطعامهم".

تم رصد دب بني في غاليسيا العام الماضي لأول مرة منذ 150 عاما

وتعد فرنسا وإيطاليا ورومانيا من بين البلدان التي حققت "أكبر المكاسب في الغطاء الحرجي" في السنوات الأخيرة، وكان معظم ذلك في شكل إعادة نمو طبيعي للحقول القديمة. وأوضح بينياس "تشير النماذج إلى أن التشجير من هذا النوع سيستمر على الأقل حتى عام 2030".

ويعد التخلي عن المناطق الريفية على نطاق واسع أحد العوامل التي ساهمت في عودة ظهور آكلات اللحوم الكبيرة في أوروبا وازدياد أعدادها مؤخرا، مثل الوشق والولفيرين والدببة البنية والذئاب.

وفي إسبانيا ارتفع عدد الذئاب الأيبرية من 400 إلى أكثر من 2000، وكثير منهم يمكن العثور عليه في "قرى الأشباح" بغاليسيا، حيث يصطادون الخنازير البرية والغزلان التي ارتفعت أعدادها أيضا. وتم رصد دب بني في غاليسيا العام الماضي لأول مرة منذ 150 عاما.

ويبدو أن المستقبل سيكون على شكل تجمعات سكانية تتزاحم بشدة في المراكز الحضرية، وخارج حدود المدينة تجوب الحيوانات البرية "قرى الأشباح" والأرياف والغابات.

لقطة من المسلسل البريطاني الذي يبث على نتفليكس- المراهقة
لقطة من المسلسل البريطاني الذي يبث على نتفليكس- المراهقة

"كأب، كان لمشاهدة مسلسل أدولاسينس مع ابني وابنتي المراهقين، وقع كبير في نفسي. نحن جميعاً بحاجة لخوض هذه النقاشات بشكل أكبر".

تعليق من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، على مسلسل بثته شبكة نتفليكس الأميركية، ويتصدر قوائم المشاهدات في دول عدة.

مسلسل "المراهَقَة Adolescence" سببّ صدمة كبيرة لللمتابعين، حتى أنه سيُعرض مجاناً داخل المدارس البريطانية بتأكيد من ستارمر.

وقال رئيس حزب العمّال عبر منشور في منصّة إكس نهاية مارس الماضي إن هذه الخطوة ستُمكّن أكبر عدد ممكن من الشباب لمشاهدته.

ويروي المسلسل قصة جريمة قتل ارتكبها مراهق في عُمر 13 عاماً بحق زميلته في الفصل الدراسي، طعناً بالسكين سبع مرّات.

كانت إجابة مَن القاتل، في أول حلقة من أصل 4 حلقات.

لكن إجابة "لماذا؟" التي تلا تشريحها، خصوصاً في الحلقة الثالثة، كانت صادمة. ليس فقط للأخصائية النفسية التي حاورت الطفل جايمي ميلر إنما للمتابعين كذلك.

ويحتل المسلسل المرتبة 9 بين أكثر المسلسلات مشاهدة في تاريخ نتفليكس، بحصيلة 96 مليوناً و700 ألف مشاهدة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى منذ بداية عرضه في 13 مارس الماضي (فوربس).

 

القصة

يقتل جايمي زميلته كايتي التي يتشارك معها حصصاً مدرسية، في مكان عام داخل البلدة التي يعيشان فيها، بعد أن لحق بها في تلك الليلة التي غيّرت حياته وحياة عائلته للأبد.

الحلقات الأربع بتفاصيلها مهمة جداً، فميزة المسلسل عن غيره من مسلسلات الجرائم، بالأحداث الصغيرة ولغة الجسد والمشاهد الطويلة من نوع اللقطة الواحدة (أي أن الكاميرا لا تتوقف عن التصوير طيلة تصوير المشهد)، تلك التي تحاول شرح سبب إقدام جايمي على فعلته.

كذلك امتاز بتركيزه على عائلة القاتل لا الضحية، كما يجري أغلب الأوقات.

هل السبب البيئة التي نشأ فيها جايمي داخل عائلته؟ أم بيئة المدرسة؟ أم الإنترنت؟

يحاول المسلسل بعد أن صدمنا بفيديو يُوثق الجريمة وفاعلها، بأن يجيب عن هذه الأسئلة.

وفي الحلقة الثالثة، وهي "ماستر بيس" بالفعل كما وصفها عديد النقّاد، حيث المقابلة المطوّلة بين أخصائية نفسية وجايمي، وبدت فيها مصدومة بل ومذعورة، من هول ما تسمعه على لسان الطفل الصغير أمامها.

الذعر من وحل الثقافة الذكورية التي يغرق فيها أطفال اليوم، وربما بشكل صامت بعيداً عن أعين ذويهم.

وهذه 5 أمور يمكن توصيف أحداث المسلسل من خلالها:

1- العلاقة مع الأهل التي تفتقر للحوارات والنقاشات، حيث الوالد مطحون في العمل، بالكاد يتحدث مع أبنائه (والد جايمي والمحقق لوك، مثلاً). 

حركة بسيطة ولكن أثرها النفسي كبير من والد جايمي باعدت بينهما، وهي أنه لا يواجهه بعينيه حين يشعر بالخيبة أو الخذلان تجاهه.

 لا يتحدث معه، إنما يشيح ببصره عنه. 

حدث ذلك عندما رأى الأب فيديو الطعن بأم عينيه، أشاح بوجهه، بكى كثيراًَ، ثم سأل ابنه "لماذا فعلتها؟" ويحضنه ويبكيان، بينما ينكر جايمي "هذا الشخص ليس أنا".

تترسخ هذه الفكرة حين يتحدث جايمي مع الأخصائية النفسية (موقف والده حين يشاهده أثناء لعب كرة القدم) وتأكيده أنه "لا يحب الرياضة بالمجمل" لكن والده يقحمه في النشاطات الرياضية.

يؤكد الأب ذلك في المشهد الأخير من الحلقة الرابعة والأخيرة، قبل أن يبكي ويعترف بأنه أخفق في التواصل مع ابنه.

2- المدرسة كبيئة غير آمنة.

يجري وصف المدرسة وإظهارها بأنها مكان غير صحي للتلاميذ، صار مرتعاً للفوضى والتنمّر والعنف وكذلك الأعمال الانتقامية (كنشر صور كايتي عارية).

يأتي ذلك على لسان المحققين، قبل أن يتذكرا أوقاتاً طيبة قضياها في المدرسة.  ومشاعرهما كانت تمثلاً للصدمة أمام جريمة القتل التي ارتكبها الطفل وتجليّات دوافعها وأسبابها.

3- تأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على ثقافة روّادها من الشباب، خصوصاً حراك "العزّاب القسريّون"، وعلاقته بالـ"مانوسفير" حيث يمثل أندرو تايت (شخصية حقيقية) أحد أبرز أمثلته الصارخة.

يجري ذكر تيت على لسان المحققة ميشا وهي في المدرسة حين تعلم بأن بعض التلاميذ بمن فيهم جايمي، جزء من هذا المجتمع المتنامي.

يقول كاتب السيناريو جاك ثورن في مقابلة مع صحيفة بريطانية، إن أحد الباحثين اقترح عليه أن يلج للعالم الإلكتروني المتحيز ضد النساء المعروف بـ"مانوسفير".

"بمجرد أن فتحنا هذا الباب، بات كل شيء منطقياً"، يضيف ثورن، مبيّناً "المسلسل لا يهاجم تيت. الفيديوهات التي يشاهدها الأولاد أكثر قتامة من محتواه، والأشخاص الذين يقدمون لهم النصائح أكثر خطورة منه".

ويتابع كاتب المسلسل "إنه أمر مرعب.. ابني عمره 8 سنوات، وما رأيته جعلني أرغب بأن أضعه في صندوق وإبقائه فيه لعشر سنوات قادمة".

خلال الحوار بين الأخصائية النفسية والطفل جايمي، يقترب منها بهيئة الغاضب المهدّد- مسلسل المراهقة

4- مرحلة الإدراك والحقيقة المرعبة.

في الحلقة الثالثة، حوار بين الأخصائية النفسية وجايمي تسأله الكثير من الأسئلة حول علاقته بأبيه، وعلاقة أبيه بجدّه، وكذلك عن نظرته هو نفسه للنساء؟ وعن علاقته بهم؟

يتصاعد الحوار درجة درجة، يبلغ ذروته الأولى حين يغضب جايمي ويلقي بكوب الشوكولا الساخنة التي أحضرتها له، بينما ذروته الثانية حين تقول له إنها تزوره للمرة الأخيرة وهذا آخر حوار بينهما.

يغضب كثيراً، ثم يسألها "هل أُعجِبك؟".

يُظهر الحوار الغضب المعتمل في نفس هذا الطفل حيال الرفض، حين رفضت كايتي (المجني عليها) الخروج معه في موعد.

وفي ذكورية محضة قال إنه استغلّ أنها في حالة ضعف بعد انتشار صورها العارية بين طلبة المدرسة، وعرض عليها موعداً غرامياً، في وقت "ابتعد عنها البقية".

الأخصائية تختنق بدموعها وبالكاد تستطيع أن تفرّغ الرعب الذي شعرت به لإدراكها بتأثير ثقافة "المانوسفير" على هذا الجيل الغضّ: كراهية للنساء، وذكورة سامّة.

الأمر يقود للقتل، هو ليس مجرد كلام في الهوا.

لقطة من المسلسل البريطاني الذي يبث على نتفليكس- المراهقة

5- معاناة عائلة الطفل، حيث تواجه النظرة المجتمعية التي تدينها وبأنها السبب الأساسي في ارتكاب ابنها الجريمة.

يظهر ذلك في الحلقة الأخيرة، حيث مرّ نحو عام على إيداع جايمي في الإصلاحية، وكل أحداث الحلقة تدور في يوم واحد, يتعرض فيه الأب للمضايقة والملاحقة من قبل شبّان مع وصمة العار.

في حينه، تبدو العائلة كأنها تريد المضيّ في الحياة، ويحاول الوالدان تحسين علاقتهما بابنتهما بتأثير ما حصل مع أخيها، من خلال حوار طويل وضحكات والحديث عن ماضيهما الذي تعرفه الابنة لأول مرة.

ربما يحتاج الأبناء أن نتحدث معهم فقط، وأن نقضي معهم أوقاتاً نوعية، هذا كلّ ما في الأمر.

خطورة المانوسفير 

يشير المصطلح الذي ظهر أوائل الألفية الثانية ويعني "حيّز/ مجال الرجال"، إلى شبكة غير رسمية من المواقع الإلكترونية، (منتديات، مدونات، ومنصات تواصل اجتماعي)، يرتادها رجال (مغايرو الجنس غالباً) يناقشون قضايا تهمهم وتؤثر عليهم في المجتمع الحديث.

يجمعهم خطاب معادٍ للنساء ومناهض للنسوية، ويميل إلى الترويج لأدوار تقليدية صارمة بين الجنسين.

ومن أبرز الفاعلين في هذا المجال نشطاء حقوق الرجال (MRAs)، الذين يركزون على قضايا مثل قوانين الحضانة والطلاق والاتهامات الكاذبة، ولكن من منظور مناهض للنسوية.

ومنهم فنانو الإغواء (PUAs)، الذين يروجون لأساليب إغواء غالبا ما تنطوي على التلاعب والسيطرة، إضافة للرجال الذين يسلكون طريقهم الخاص (MGTOW)، ويدعون للانسحاب الكامل من العلاقات مع النساء.

فئة أخرى، هي العزّاب القسريون (Incels).

يشعر أفرادها بالرفض من قبل النساء ويعبّرون عن مشاعر الغضب والكراهية تجاههن.

في السنوات الأخيرة، لم يعد المانوسفير مجرد مساحة للنقاش الرقمي، بل تحول في بعض الحالات إلى مصدر تطرف وسلوكيات خطرة، ارتبطت بعدة حوادث عنف وخطاب كراهية في العالم الواقعي.

وبرز اسم اليوتيوبر البريطاني الأميركي أندرو تيت، في هذا السياق.

هو بطل سابق في رياضة "الكيك بوكسينغ" تحول إلى شخصية مؤثرة عبر الإنترنت.

ويقدّم نفسه على أنه رجل ناجح وثري ويطرح نفسه كنموذج للذكر الألفا، وهي صورة تتكرر بكثافة في ثقافة المانوسفير.

كما يروّج تيت إلى أن النسوية "أفسدت النساء وأضعفت الرجال"، كما أن محتواه يركز على الهيمنة الذكورية، والعلاقات غير المتكافئة، والسخرية من مفاهيم المساواة بين الجنسين. 

وقد ساعده أسلوبه الاستعراضي ومقاطعه المنتشرة على تيك توك ويوتيوب في جذب جمهور واسع، خاصة من المراهقين والفتيان.

ورغم محاولاته الظهور كمدافع عن "رجولة مفقودة"، إلا أن تيت يواجه اتهامات خطيرة تتعلق بالاتجار بالبشر والاغتصاب—وهو ما أثار ردود فعل دولية واسعة، آخرها كان منذ أيام حيث اتهمته شابة من لوس أنجلوس بتعنيفها.

ويعدّ تيت تجسيداً حياً لخطورة الخطاب المتطرف في المانوسفير، خاصة حينما يتحول من أفكار على الإنترنت إلى سلوكيات وممارسات على الأرض.

 

رجال ونساء في مركب واحد

أما الذكورة السامة فهي قلب المانوسفير وجوهره إن جاز التعبير.

وتشير إلى ملامح تعتبر في الكثير من المجتمعات أبرز ملامح "الرجولة" التي يُعتد بها، مثل: عدم الإفصاح والتعبير عن المشاعر باستثناء الغضب، باعتبارها دليل ضعف (ما تبكي إنت رجل، نموذجاً).

أيضاً، التقليل من شأن النساء، واستخدام العنف والهيمنة لإثبات الرجولة، بالإضافة لرهاب الجندرية وتقديس الأدوار التقليدية للجنسين.

ومؤخراً، برزت فعاليات تعرف بـ"ريتريت للرجال (عزلة مؤقتة)"، يقومون فيها بممارسة نشاطات سوياً يبكون ويضحكون معاً دون خجل من مشاعرهم، في محاولة للحد من ثقافة الرجولة السامة.

نتائج هذا المانوسفير انعكست على المحتوى العربي كذلك في مواقع التواصل، فهناك عشرات الصفحات والمجموعات في فيسبوك التي يروّج أصحابها لخطابات كارهة للنساء. 

بمجرد أن تقرأ منشوراً أو اثنين لأحدها، ستغمرك الخوارزمية بالمزيد.

كما أن موجة متنامية على إنستغرام وتك توك وفي برامج البودكاست المصوّرة، قوامها نساء يوجهن خطاب كراهية إلى النسوية، ويروّجن للذكورة السّامة، وللأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة.

وتحت شعارات من نوع "استعادة طاقة الأنوثة" وعناوين تبدو لصالح تطوير الذات للمرأة والعناية بالنفس، تناهض هؤلاء النساء عمل المرأة ويعتبرنه شكلا من أشكال العبودية.

يعتقدن أيضاً، أن على المرأة البقاء في المنزل، وأن تسعى كل ما لديها من صفات أنثوية (عبر الإغراء والعناية الزائدة بالجسد) من أجل جذب الرجال الأثرياء.

كما يبغضن كل البغض ما بات يُعرف بـ"فيفتي فيفتي"، أي التشاركية المالية في الحياة الزوجية وتقاسم المسؤوليات بين الرجل والمرأة بالتساوي.