شهد العراق أسوأ هذه العواصف
شهد العراق أسوأ هذه العواصف

ضربت العواصف الرملية والترابية دولا عربية بوتيرة غير مسبوقة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتسببت بإدخال المئات إلى المستشفيات نتيجة شعورهم بالاختناق ومعاناتهم من مشاكل في التنفس، بالإضافة إلى تسجيل حالة وفاة في العراق.

وشهد العراق أسوأ هذه العواصف، التي امتدت إلى سوريا ودول خليجية، منها الكويت والسعودية والإمارات، حيث غطت الغبار والأتربة الأبنية والسيارات، وأدت إلى تدني مستوى الرؤية، ما دفع بالسلطات ببعض الدول إلى إغلاق المطارات والموانئ ووقف حركة الملاحة الجوية والبحرية.

وعن ازدياد تكرار هذه العواصف القاسية وتحولها إلى ظاهرة، قال الخبير البيئي ضومط كامل إن "المنطقة العربية شهدت في السابق عواصف ترابية مثل (الطوز)، ولكن لم تكن بهذه الحدة ولم تمتد لمساحات شاسعة جدا، ولم تكن بهذه الوتيرة".

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن "التغير المناخي وتغير نمط الكتل الهوائية، هما من الأسباب الرئيسية" ، كما أن "تمدد التصحر" يساعد في ارتفاع وتيرة هذه العواصف.

ويعد العراق من الدول الخمس الأكثر عرضة لتغير المناخ والتصحر في العالم خصوصا بسبب تزايد الجفاف، مع ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز لأيام من فصل الصيف خمسين درجة مئوية.

وفي لقاء مع وكالة الأنباء العراقية، قال وكيل وزارة الزراعة، ميثاق عبد الحسين إن "قلة التخصيصات المالية، وتأخر إقرار الموازنة، هما من أحد العوامل التي أسهمت في تأخر تنفيذ بعض الخطط الخاصة بمكافحة التصحر وتثبيت الكثبان الرملية".

وأضاف أن "شح الأمطار أيضا أدى إلى جفاف وقلة في الغطاء النباتي، خصوصا بالمناطق المكشوفة في الصحراء غرب العراق، وهي ممتدة إلى دول مجاورة أيضا، وبدأت تشكل ظاهرة مناخية حادة، مما يقتضي جهدا مشتركا مع جيراننا لمكافحتها (الظاهرة)".

وأشار إلى أن "الارتفاعات العالية للعواصف الغبارية تجعل من الأحزمة الخضراء محدودة التأثير في التصدي لها أو تقليل أثرها".

"المخاطر"

وفي حديثه عن مخاطر هذه الظاهرة التي يزداد تكرارها، قال كامل إن الرياح تحمل وتنقل "الغبار والرمال والتراب وجزيئات صغيرة وفيروسات وبكتيريا خطيرة على صحة الإنسان وجهازه التنفسي".

وتابع: "الغبار سيبقى في الجو، وسيبقى التلوث موجودا لفترة طويلة"، محذرا من خطورة ذلك على الصحة، ومنبها إلى أن نظافة الجو ستستغرق وقتا طويلا.

ودعا إلى "ضرورة وجود حملة إعلامية توجيهية" للتعريف بمخاطر هذه العواصف، وأشار إلى ضعف الدور الإرشادي لوزارات البيئة والصحة فيما يخص الوقاية من التلوث ومكافحة تغير المناخ.

وفي هذا الشأن دعت هيئة الغذاء والدواء السعودية، في منشور على تويتر، الثلاثاء، إلى ارتداء الكمامات لـ"حماية الجهاز التنفسي من التعرض لذرات الرمال أثناء الغبار".

بدوره شدد كامل على ضرورة ارتداء الكمامات وعلى "إغلاق النوافذ والأبواب بإحكام لتجنب دخول الغبار إلى البيوت"، بالإضافة إلى الاستحمام بعد العودة من الخارج في حال الاضطرار إلى الخروج.

مشكلة نقص المياه

وفي إطار العوامل المساهمة بتعميق أزمة العواصف، قال ميثاق عبد الحسين إن "هناك 3 عوامل مباشرة أثرت وأدت لتكرار العواصف الترابية وزيادة التصحر، تمثلت بقلة الأمطار، وقلة الموارد المائية من بلدان منبع نهري دجلة والفرات، وخفض الخطة الزراعية".

وشدد على أن هذه العوامل الثلاثة "ستلقي بتأثيراتها على الغطاء النباتي، واستمرار شح المياه سيؤثر مباشرة على الخطط الزراعية واستدامة الأحزمة الخضراء".

وتابع أن "مشكلة قلة الأمطار هي الأكبر، وساهمت في قلة المناطق الرعوية، وفقدان الطبقة الصلبة التي تغطي الأراضي الصحراوية، مما جعلها عرضة لعوامل الرياح واتساع العواصف الغبارية".

الحلول المقترحة

وفيما يتعلق بالحلول المقترحة والجهود المبذولة لمعالجة هذه الظاهرة، قال كامل إنه "لا توجد استراتيجية مواجهة، ومعالجة آثار العواصف تحتاج إلى استراتيجيات على مستوى دول وطويلة الأمد، وتصل إلى حد 50 سنة".

وأضاف أن "هناك غياب للخطط العلمية لمواجهة هذه الظاهرة"، ولفت إلى أنه "لا توجد استراتيجية عربية موحدة لمكافحة التصحر".

ولدى سؤاله عن أهمية التشجير لمكافحة التصحر، قال إنه "يجب إعداد دراسات تتعلق بنوع الأشجار المطلوبة، وكل منطقة لها نوع مناسب بحسب المناخ الذي ستزرع به".

وأشار كامل إلى أن هناك أطراف متعددة يجب أن تتشارك فيما بينها وتتحمل مسؤولياتها لمكافحة التصحر ومحاربة تغير المناخ، ومنها "البلديات والمؤسسات العامة والسكان والمزارعين"، وأدوارهم تتكامل لتحقيق هذا الهدف.

وشدد كامل على أن "المنطقة العربية بحاجة إلى استراتيجية موحدة لحماية البيئة ومكافحة التغير المناخي".

وذكر المسؤول العراقي أن هناك عدة مبادرات وفعاليات ونشاطات لتعزيز الغطاء النباتي، وتشمل حملات "للتشجيع على الزراعة في بعض المؤسسات والمدارس والشوارع".

وأكد أن هناك لجنة جديدة تشكلت "تعنى بالتشجير داخل المدن وحولها، وهي مؤلفة من عدة وزارات".

وحول مشكلة التجريف (عمليات الحفر غير المنظمة)، أكد عبد الحسين أن "التجريف الجائر للبساتين لأغراض السكن، ساهم بصورة كبيرة في تقليل الغطاء النباتي"، لافتا إلى ضرورة "تشريع قانون لتجريم إزالة الأشجار عشوائيا، لما له من أثر في تدمير البيئة".

وتمثل زيادة الغطاء النباتي وزراعة غابات بأشجار كثيفة تعمل كمصدات للرياح أهم الحلول اللازمة لخفض معدل العواصف الرملية، بحسب وزارة الزراعة العراقية.

وفي مارس 2021، أعلن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان،  عن إطلاق مشروعين تحت شعار "مبادرة السعودية الخضراء"، و"مبادرة الشرق الأوسط الأخضر".

وأشار ولي العهد السعودي إلى عدد من المبادرات المندرجة تحت المشروع الأكبر، يتمثل أبرزها بزراعة ما لا يقل عن 10 مليارات شجرة على الأراضي السعودية خلال العقود المقبلة.

ومن المتوقع أن تسهم المبادرة، وحدها، بزيادة المساحة الخضراء إلى نحو 12 ضعف مساحتها الحالية.

صحراء السعودية كانت غابات قبل ملايين السنوات. أرشيفية - تعبيرية
صحراء السعودية كانت غابات قبل ملايين السنوات. أرشيفية - تعبيرية

كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة "نيتشر" العملية أن أرض السعودية كانت واحة خضراء قبل 8 ملايين عام، حيث الغطاء النباتي الكثيف، والأمطار الغزيرة، والأنهر والبحيرات.

وجاءت الدراسة بعنوان "فترات الرطوبة المتكررة في شبه الجزيرة العربية على مدى ثمانية ملايين عام" مستندة على أدلة رواسب كهوف، والتي أعدها 30 باحثا من 27 جهة مختلفة.

وأظهرت الأدلة الأحفورية إلى وجود حيوانات عاشت في تلك المنطقة تضم الفيلة والزرافات والأبقار والخيول وحتى أفراس النهر والتماسيح.

وأشارت إلى أن الظروف الرطبة المتقطعة ساهمت في تسهيل هجرة الثدييات بين أفريقيا وأوراسيا، حيث كانت أراضي الجزيرة العربية أشبه بجسر بيئي حيوي أسهم في التبادل الجغرافي بين القارات.

ورغم وجود اعتقاد بأن الأراضي في شبه الجزيرة العربية كانت جافة منذ حوالي 11 مليون عام، إلا أن هذه الدراسة تؤكد أن الفترات الرطبة كانت ظاهرة متكررة ممتدة في هذه المنطقة لملايين السنوات.

ولكن تقلبات المناخ والأمطار أدت إلى انكماش فترات الرطوبة، والذي تزامن معه زيادة التغطية الجليدية في نصف الكرة الشمالي، ما تسبب في تغييرات متطرفة في الغلاف الجوي وأنماط المناخ والبيئة حول العالم.

واعتمدت الدراسة على مجموعة من الأدلة التي تم استخراجها من كهوف في مناطق شديدة الجفاف في وسط الجزيرة العربية، والتي أصبحت تعتبر واحدة من أقدم السجلات الأرضية المتوفرة للمنطقة، ما يعطي أدلة جديدة على أن الصحراء القاحلة لم تكن جافة منذ ملايين السنوات.