لبنانيون يساعدون السوريين
ما إن ضرب الزلزال سوريا حتى تحولت منصات التواصل الاجتماعي في لبنان إلى ساحة لإطلاق الحملات وجمع التبرعات النقدية والعينية | Source: MBN

دفعت مشاهد الدمار والموت والخراب التي تسبب بها الزلزال الكارثي في جنوب تركيا وشمال سوريا اللبنانيين إلى تناسي الأزمات التي يعيشونها، فهبوا لنجدة جيرانهم في سوريا، ومد يد العون لهم بكل ما أوتوا من قدرة.

ما إن ضرب الزلزال سوريا حتى تحولت منصات التواصل الاجتماعي في لبنان إلى ساحة لإطلاق الحملات وجمع التبرعات النقدية والعينية، وبعد ساعات من الكارثة انطلقت القوافل المحملة بأطنان المساعدات إلى مختلف المناطق المنكوبة.

بعد ساعات من الكارثة في سوريا انطلقت القوافل المحملة بأطنان المساعدات إلى مختلف المناطق المنكوبة بسوريا

وتسبب الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا بقوة 7.8 درجة، بسقوط الآلاف من القتلى والجرحى وبأعداد لا تحصى من المحاصرين تحت الأنقاض، إضافة إلى تشرد عدد هائل من العائلات نتيجة الدمار الذي طال أحياء سكنية بأكملها، وما إن تعالت أصوات الاستغاثة حتى لبى اللبنانيون النداء رسمياً وشعبياً.

على الصعيد الرسمي، توجه فريق من الصليب الأحمر اللبناني وفوج الإطفاء والدفاع المدني ووحدة الهندسة في الجيش اللبناني، للمساعدة في عمليات الإنقاذ، حيث تواصل فرق الإغاثة سباقها مع الزمن في محاولة العثور على ناجين تحت الأنقاض في ظل أجواء شديدة من البرد والمطر والثلج.

كذلك أعلن وزير الأشغال والنقل اللبناني فتح مطار بيروت ومرفأي بيروت وطرابلس لهبوط الطائرات والسفن المحملة بالمساعدات الإنسانية على أنواعها إلى سوريا، وهي معفاة من كامل الرسوم والضرائب.

وزار وفد وزاري لبناني برئاسة وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال عبدلله بو حبيب دمشق، حيث التقى رئيس النظام السوري بشار الأسد، وعقد سلسلة لقاءات مع المسؤولين السوريين، بتكليف من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، تناولت الشؤون الانسانية وتداعيات الزلزال المدمّر.

وسبق التحرك الشعبي التحرك الرسمي اللبناني، فسيّرت قوافل المساعدات إلى المناطق المنكوبة، منها ما عبر الحدود والبقية في طور التجهيز والاعداد، وذلك وسط خشية النشطاء والمراقبين من أن يعيق النظام السوري وصول المساعدات في الوقت المناسب الى المناطق التي يسيطر عليها المعارضون، ومعظمهم من النساء والأطفال، وفقا للأمم المتحدة التي دعت أمس الأربعاء إلى "وضع السياسة جانباً" وتسهيل إيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة في شمال غرب سوريا.

عقبات سورية ولبنانية

حتى أكثر المناطق فقراً في لبنان، تناسى سكانها معاناتهم وهبوا لنجدة جيرانهم، فتوحد أهالي مدينة طرابلس وجمعياتها الاهلية، من بينها جمعية "بسمة أمل" ، التي يقول رئيسها، محمود مهدي سيف "نتشارك مع جمعية اجيال العرب وجمعية ليان وحراس وادي النحلة وابو عبود سيف في هذه المهمة الإنسانية، وقد كان أهالي وادي النحلة السبّاقين في اتخاذ هذه الخطوة، ليتبعهم الكثيرون بالتبرعات التي شملت الفرش والبطانيات واجهزة التدفئة والألبسة كون الظرف المناخي صعب" مضيفاً "خلال 24 ساعة استطعنا تأمين ما يزيد عن العشرة الاف قطعة ملابس وبعض الأجهزة الطبية كالكراسي المتحركة لنقل المصابين بالإضافة إلى المعقمات".

انطلقت أولى القوافل من وادي النحلة، إلى حماة واللاذقية وإدلب، والاتصالات مستمرة من قبل عدد كبير من اللبنانيين الراغبين بالوقوف إلى جانب المتضررين السوريين، كل منهم يريد التبرع بحسب قدرته، ويقول سيف "سنبدأ التحضير للقافلة الثانية مطلع الأسبوع القادم، لافتاً إلى أنه "نتيجة الكارثة ننسق مع الأجهزة الأمنية السورية التي بدورها تنسّق مباشرة مع المعارضة، لتأمين جسر انساني إلى كل المناطق المتضررة، ونحن نعمل على إيصال المساعدات عبر أشخاص يحملون الجنسية السورية".

الكارثة مضاعفة في شمال غرب سوريا حيث المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، وفي إشارة لها قال المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا، المصطفى بن المليح "نحتاج لإمكانية الوصول الكامل وإلى الدعم للوصول"، وفي العادة تنقل المساعدات الإنسانية المخصصة لهذه المناطق عبر نقطة عبور وحيدة هي باب الهوى، لكن الطرق المؤدية اليه من تركيا تضررت جراء الزلزال، في حين يرفض النظام السوري فتح معابر جديدة، بحجة تقويض السيادة". 

واليوم الخميس دخلت أول قافلة مساعدات بعد الزلزال المدمر إلى هذه المناطق، وقد وشاهد مراسل وكالة فرانس برس عند المعبر قافلة من ست شاحنات فقط تعبر إلى سوريا، وتضم بشكل أساسي مستلزمات خيم وأدوات تنظيف.

عدا عن العقبات التي تقف في طريق وصول المساعدات إلى بعض المناطق المنكوبة، هناك ناشطون لبنانيون يرغبون بدخول الأراضي السورية والوقوف على حاجة المتضررين مباشرة، لكنهم يخشون ذلك لأسباب أمنية كونهم معروفين بأنهم معارضون للنظام، ومنهم من تحول عقبات من نتاج الأزمات التي يمر بها لبنان دون تمكنهم من تجاوز الحدود، كالناشط بلال علاو الذي كان من أوائل الداعين عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" إلى المسارعة لنجدة المنكوبين السوريين، ويقول "قبل انطلاق أي قافلة علينا تقديم تصريح إلى السفارة السورية في لبنان بأسماء الأشخاص الذين تضمهم، وللأسف شطب اسمي كوني لا احمل هوية ولا جواز سفر، بل فقط اخراج قيد لبناني".

علاو عبّر عن استغرابه لتشدد الجانب السوري في إجراءات الدخول إلى أراضيه في ظل الوضع المأساوي، ويقول "الجميع يعلم مدى صعوبة إصدار هوية لبنانية كذلك حال جواز سفر، فموعدي على المنصة لا يزال بعيداً جداً"، ويشدد "لن استسلم وسأحاول مرة ثانية الدخول إلى سوريا لأساعد من أرض النكبة من هم بحاجة".

توحُّد الشعب اللبناني من كل المناطق والطوائف لتقديم العون للشعب السوري "يفرح القلب" بحسب علاو، "ما نقوم به واجب على كل عربي، فكيف لنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هول هذه الكارثة وأمام مشاهد الموت والدمار والأطفال اليتامى، وأمام تحرك الدول لمساعدة تركيا وغض النظر عن سوريا، من هنا كانت الدعوة للمساعدة خطوة بديهية، وكان التجاوب كبيراً، اذ سرعان ما وصل عددنا إلى نحو ستين شخصاً لننضم بعدها إلى مجموعة أخرى تحت اسم قافلة الشباب اللبناني حملة إغاثة سوريا".

ما لمسه علاو على الأرض أمر لا يصدقه عقل، ويقول "عائلات لبنانية دون خط الفقر أبت إلا أن تتبرع مما في مطبخها من مواد غذائية وحتى من بطانيات وما تيسر لها، هذا التكاتف أبلغ رسالة على وحدة الشعوب العربية بغض النظر عن خلافات السياسيين والقادة". 

"الخير باق"

من مبادرة فردية إلى فريق متكامل يضم أطباء وممرضين ومختصين نفسيين وعمال اجتماعيين ومختصين بإدارة الكوارث، اجتمعوا تحت اسم "قافلة الشباب اللبناني حملة إغاثة سوريا"، وتمكنوا من جمع أطنان من المواد الغذائية والملابس والبطانيات وحليب الاطفال، وسيّروا أولى القوافل باتجاه اللاذقية، على أن تكون مدينة حمص هي الوجهة الثانية، كما يقول الناشط في الحملة إبراهيم البسط.

بيكبر القلب فيكم ❤ من المركز بالبقاع مستمرين من كل المناطق

Posted by Diyaa Morda on Wednesday, February 8, 2023

يشدد البسط على أن "المبادرة إنسانية بحت، مستقلة عن كل الأحزاب وبعيدة كل البعد عن السياسة، فمساعدة المنكوبين السوريين هي الهدف، وقد اثبت اللبنانيون أنهم أهل الخير فعلاً، فرغم ظروفهم الصعبة لم يتوانوا عن نجدة اشقائهم، جندوا أنفسهم وكرسوا وقتهم من أجل جمع المساعدات وفرزها وتوضيبها تحضيراً لتسليمها إلى محتاجيها".

تمكنت الحملة من فتح مكاتب لها في عدد كبير من المناطق، من البقاع إلى بيروت والجنوب، والعمل سيستمر كما يقول البسط "طالما أن المنكوبين في سوريا بحاجة لنا".

مبادرة فردية أخرى بدأها عدد من الأشخاص من خلال ارسال مبلغ مالي إلى صديقة لهم في سوريا لتوزّعه على المنكوبين او لتشتري لهم ما يحتاجونه، فتحولت إلى حملة باسم "معكن"، تقوم على جمع الأموال من داخل لبنان وخارجه لمساندة المتضررين السوريين، وبحسب ما يشرحه أحد مطلقي الحملة علي الرفاعي "التجاوب أكبر من المتوقع وفوق التصور، اذ أن رسائل عدة وصلتنا من عائلات أصر أطفالها على فتح حصالتهم والتبرع بما ادخروه لأطفال سوريا، هي مبالغ صغيرة لكن رمزيتها كبيرة جداً".

وانضم مغتربون إلى الحملة، كما يشير الرفاعي "لاسيما من ساحل العاج ونيجيريا وأوروبا، ونحن نعلم أن أي الأموال التي سنجمعها لا تساوي شيئاً أمام هول الكارثة، لكن يبقى أفضل من ألا نحرك ساكناً".

امام المشاهد الإنسانية تسقط كل الخلافات السياسية والمحاور بحسب ما يشدد الرفاعي، ويضيف "كل الدول والشعوب معرّضة لما حدث في سوريا وتركيا، وقد مررنا بما يشبه ذلك بعد انفجار المرفأ، من هنا الوقوف إلى جانب بعضنا البعض واجب، فاليوم هم بحاجتنا وربما في الغد نحن سنحتاجهم، وكلبنانيين نثبت دائماً ان الخير لا يزال باق في قلوبنا وأرضنا".

يوجد في سوريا أكبر عدد من النازحين داخلياً في العالم، يبلغ 6.8 مليون شخص، وذلك بحسب الأمم المتحدة التي أشارت إلى أن "عدد السوريين المحتاجين لمساعدات انسانية ارتفع إلى 15.3 مليون في عام 2023، بزيادة 5 في المئة عن عام 2022"، ولا شك أن هذا الزلزال سيؤدي إلى زيادة أعباء السوريين المتضررين.

وحثّت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا" المجتمع الدولي على التحرك بسرعة لتقديم المساعدات الإنسانية والدعم، ودعت جميع الأطراف إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية فوراً وبدون قيود إلى كل المناطق المتضررة من الزلزال لتقديم المساعدات المنقذة للحياة".

وحذرت اللجنة من أن الزلزال، الذي يعتبر الأقوى في المنطقة منذ عقود، سوف يؤدي إلى تفاقم المعاناة في بلد دمرته أصلاً الأزمة والحرب منذ 12 عاما، مشيرة إلى أن شمال وشمال غرب سوريا، حيث يوجد ملايين النازحين بعد سنوات من الاقتتال في جميع أنحاء البلاد، يعتبران الأكثر تضررا من الزلزال.


خشية من انحراف الوجهة

بعد الكارثة والحديث عن وقوف قانون قيصر حائلاً دون وصول المساعدات للمنكوبين، أوضحت وزارة الخارجية الأميركية أن "العقوبات الأميركية تتضمن استثناءات لا تمنع وصول المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية وغيرها للشعب السوري ولن نمنع أي دولة من تقديم هكذا مساعدات. وسنستمر من جهتنا بتقديم المساعدات للشعب السوري".

أما وزارة الخارجية والمغتربين التابعة للنظام السوري فسارعت إلى اتهام المسؤولين الأميركيين بـ "تضليل الرأي العام العالمي"، رغم أن النظام السوري في دائرة الاتهام بأنه يريد السيطرة على المساعدات وتوزيعها حتى في المناطق التي تخضع للمعارضة.

من اللبنانيين من يخشى ليس فقط من سيطرة النظام السوري على المساعدات، بل كذلك من استحواذ بعض أعيان المناطق المنكوبة عليها، منهم الصحافي اللبناني مالك دغمان الذي يقول "علمت من ناشطين سوريين أن بعض أعيان المناطق المتضررة من الزلزال يستحوذون على المساعدات ويتصرفون بها كما يشاؤون، وفي لبنان لا ثقة لي بالجمعيات، لذلك فضّلت إطلاق حملة لتأمين التبرعات العينية لمنكوبي ادلب، على أن يتم تسليمها لهم يداً بيد عبر اشخاص محل ثقة، لأكون على بينة من وصولها الى مستحقيها خوفاً من اهدار أموال المتبرعين في غير المكان المراد لها".

أيضا وأيضا ❤️❤️ #سوريا

Posted by Malek Doughman on Wednesday, February 8, 2023

وسرت دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بضرورة تسليم المساعدات "يداً بيد" إلى المنكوبين، حيث شدد عدد من السوريين على أن المتضررين من الزلزال لم تصلهم أي من المساعدات المالية التي تم ارسالها أو جمعها الكترونياً. 

أكثر ما يحتاجه المنكوبون في ادلب الآن كما يقول مالك هو الخيم التي يتراوح سعر الواحدة منها حوالي 220 دولار "من هنا سأطلق حملة ثانية لجمع المال وارساله إلى ناشط في ادلب لتأمين ما تيسر منها، على أن يرسل لي صوراً وفواتير بكل ما يشتريه، فأنا حريص جداً على ألا يستنهز البعض تعاطف واستجابة الناس لصرخات الاستغاثة لتحقيق مكاسب مادية".

تعبّر هذه المبادرات كما تقول الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية البروفيسورة وديعة الأميوني "عن نخوة الشباب اللبناني وقدرته على الفصل بين السياسة والإنسانية، فرغم مطالبة بعضهم بعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم وتحميلهم جزء من مسؤولية الأزمات التي يمر بها بلدهم، لاسيما الاقتصادية منها والتي تسببت بتوسع رقعة الفقر والبطالة والحرمان، إلا أنهم سارعوا لنجدة المنكوبين".

مرة جديدة يثبت الشعب اللبناني كما تقول الأميوني أنه "شعب مقدام وخيّر، على عكس ما تحاول بعض الوسائل الإعلامية تصويره من أنه عنصري وطائفي" وتضيف "هي عاطفة نبيلة يظهرها اللبنانيون في كل موقف انساني يستدعي ذلك".

ضحايا الزلزال حتى الآن لم يتجاوزوا هول الصدمة
ضحايا الزلزال حتى الآن لم يتجاوزوا هول الصدمة

"بدأت القصة حين استفقنا جميعا صباح يوم وقوع الزلزال (السادس من فبراير) مصدومين.. وبعدما وصلتنا مشاهد ما جرى في سوريا وتركيا، أرسل لي صديقي رسالة قال فيها: 'أحب أن نفعل شيئا في هذا الخصوص، وألا نقف مكتوفي الأيدي'، سألني 'ما رأيك أن نذهب إلى سوريا؟' لم أفكر بالأمر مرتين، قلت له: 'بالتأكيد أستطيع الذهاب، أنا جاهزة'".

هكذا بدأت مبادرة "سلام لأرضي" مع الطباخة اللبنانية، عليا هزيم، التي كانت بين طلائع المتطوعين من لبنان إلى سوريا لتقديم العون والمساعدة للمتضررين من الزلازل التي ضربت الشمال السوري والمناطق الساحلية.

تروي عليا لموقع "الحرة" كيف بدأ التحضير منذ اليوم الأول للزلزال، "جمعنا ما بوسعنا من لوجستيات وحاجات للانطلاق إلى سوريا، كان إلى جانب صديقي ميشال فريق عمل من مبادرة اسمها "أرضكن"، أنشأ منصة أونلاين لجمع التبرعات، ويوم الجمعة كنا في سوريا. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by ardkon.com (@ardkon_com)

المبادرة التي تقوم على إنشاء مطبخ ميداني متنقل، يقدم الأطعمة والوجبات الساخنة للمتضررين والمشردين في سوريا نتيجة الزلزال، ترفدها من لبنان حملة جمع التبرعات، حيث تؤمّن اللوجستيات من لبنان لمتابعة العمل في سوريا.

وبينما يعمل ميشال بين الحدود لنقل الحاجيات والتبرعات، تتابع عليا عمل المطبخ الميداني الذي كان قد انطلق بعمله منذ اليوم الأول للزلزال في سوريا، قبل وصول المتطوعين اللبنانيين.

تعرفت عليا إلى صاحب المبادرة، وقررت دعمه والعمل معه كون المشروع قائما بالفعل، بدلا من العمل على مشروع جديد من الصفر، وفق ما تؤكد، "وعليه جمعنا فريق عمل تطوعي من شباب سوريين ليساعدوا في عملية الطبخ والتوزيع".

من انفجار بيروت إلى دمار اللاذقية

مطبخ متنقل يقدم الأطعمة والوجبات الساخنة للمتضررين

مبادرة المطبخ الميداني، كانت عليا قد جربتها في بيروت بعد انفجار مرفأ المدينة، في عام 2020، وتقول: "نزلنا حينها إلى الأرض وبدأنا تقديم المساعدة منذ اليوم الأول. كان لدي في حينها مطبخ طعام نباتي، وعند وقوع الكارثة في بيروت، قررت في يوم واحد أن أبدأ بالعمل على الأرض. بمبلغ مالي بسيط اشتريت الخضروات، وبكوننا كنا في شهر أغسطس، كانت قد وصلني بعض المحاصيل من أرضنا الزراعية في عكار، فجمعت كل ما لدي وبدأت بالطبخ وقدمت في اليوم الأول نحو 150 وجبة أرسلتها إلى فرق الإنقاذ الموجودين في وسط بيروت. واستمر عملنا كمطبخ ميداني لنحو شهر بعد الانفجار".

وتتابع "لذا حين وقعت الكارثة في سوريا، شعرت أنني أعلم ما سأفعله هناك وما سيحتاجه الناس، وحين وصلنا إلى سوريا، كان الوضع فوضويا بشكل كبير، يشبه إلى حد بعيد ما حصل في بيروت بعد الانفجار، لكننا كنا اختبرنا نظام العمل الذي سنعتمده والظروف التي سنعمل فيها، ومحضرين نفسيا لهذا الواقع".

حتى الوضع النفسي للناس، كان يشبه ما عاينته عليا في بيروت وفق ما تروي، "حين جئت إلى سوريا وجدت أن الحالة ذاتها يعيشها كثير من المتطوعين معنا، كنت أعلم ما يمرون به وأشعر بهم، وأصعب ما في الأمر أنهم، وكما حصل معنا في لبنان، لا يعلمون متى سيتوقفون في ظل هذا الوضع الكارثي الذي ما عادت تنتهي فصوله، وبالتالي كان عليّ تقديم الدعم النفسي أيضا للفريق، وبتّ أعتبر نفسي هنا داعمة نفسية قبل أن أكون طباخة".

مبادرة "سلام لأرضي" تقدم المساعدة والعون لمتضرري الزلازل

وتضيف "هناك شيء أشعر به دائما، منذ وصولي إلى سوريا استطعت أن أرى أنفسنا كلبنانيين في الوضع الذي يعيشه السوريون، وتعمَّق إيماني بعدم وجود فروقات بين المجتمعين في البلدين المتجاورين، لم أجد أي فارق، قصة واحدة، تجربة واحدة من مختلف النواحي".

في اليوم الأول أعد المطبخ الميداني 750 وجبة طعام، وزعت في مدينة جبلة الساحلية قرب اللاذقية، والتي كان قد طالها ضرر كبير نتيجة الزلزال، وتدمرت فيها آلاف الوحدات السكنية تاركة أهلها إما ضحايا تحت الأنقاض أو مشردين في الشوارع.

ومن جبلة، انتقل المطبخ إلى اللاذقية حيث بات يمنح ما بين 600 إلى 1000 وجبة في اليوم، وذلك بحسب التبرعات وعدد المتطوعين، وقدرة الفريق على الطبخ بالمواد الأولية المتوفرة، كما بات المطبخ يغطي ملاجئ ومراكز إيواء للمدنيين المشردين من منازلهم المتصدعة، فضلا عن المنازل التي احتضنت عددا كبيرا من العائلات.

المطبخ الموجود حاليا في اللاذقية، والذي سيراوح مكانه لأسبوعين، ينتقل في كل مرة كي يغطي منطقة معينة من المدينة، وبحسب عليا سوف يجول أياما معينة على مناطق أخرى في الريف خارج المدينة.

"وجبة دافئة".. أقل ما يمكن

مبادرة المطبخ المتنقل بدأت بعد انفجار مرفأ بيروت

وفي ظل تعاظم معاناة السوريين بعد الزلزال، مع تأمين المسكن والملبس والتدفئة والمواد الطبية والإغاثية، جعل من فكرة تأمين الطعام المطبوخ أولوية متأخرة في الأذهان، خاصة وأن الناس باتوا يكافحون لمجرد النجاة. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى عليا.

"أول ما فكرنا به أن هناك مشردين من منازلهم ونازحين بسبب الحرب فقدوا ملاجئهم، وباتت المنازل الصالحة للسكن في المدينة تضم نحو 4 أو 5 عائلات بالحد الأدنى، انطلاقا من ذلك وفي ظل هذا الواقع، هل سيكون للناس قدرة على طبخ ما تأكله؟ لنبدأ من الغاز مثلا، هل باستطاعتهم تأمين ما يلزمهم من قوارير غاز لطهي طعام 40 أو 50 شخصاً وفي ظل ارتفاع أسعار الغاز؟".

وتضيف "كما أن نسبة كبيرة من العائلات تشتت أو فقدت بالزلزال أفرادا منها وتعيش فاجعة الخسارة، وأحيانا لا يكون من بينهم من يجيد الطبخ أو قادرا على تأمينه لأعداد كبيرة، وإضافة إلى كل ذلك، الناس في حالة حزن على ما خسرته، آخر ما قد يفكرون به هو الطبخ".

تلفت الطباخة اللبنانية أيضا إلى أن مراكز الإيواء وضعها أصعب، حيث تضم مئات الأشخاص بينهم نسبة كبيرة من الأطفال وكبار السن والعجزة ممن ليس لديهم مكان يذهبون إليه، وهي في الغالب أبنية مدارس ومراكز لا تضم أماكن مخصصة للطبخ، وبالتالي يعتمدون على مبادرات من هذا النوع لتأمين الطعام لهم من جمعيات وجهات داعمة، بدورها لا تتمكن بصورة مستمرة من تأمين الوجبات اليومية بالتوقيت اللازم وبالوتيرة التي يحتاجها الناس، وهذا أبسط ما يستحقونه وأقل ما يمكن تأمينه لهم".

"هل نصنع فرقا؟"

تأمين وجبات الطعام ساعد المتضررين من الزلازل

منذ أن وصلت إلى سوريا، تسأل عليا نفسها هذا السؤال يوميا، "هل نصنع فرقا؟ هل نترك أثرا فيما نقوم به؟ ولا نجد دائما جوابا شافيا لهذا السؤال، ولكن نشعر من الوضع القائم في سوريا، أن ما نفعله مطلوب بالفعل، ويسد حاجة نسبة من الناس، حين نرى أشخاصا مشردين في شوارع المدينة ليس لديهم مكان يذهبون إليه، فينامون في حدائق عامة، أشعر أن وجبة ساخنة لهؤلاء ستشكل فرقا بالنسبة لهم، ولو آنيا".

"حين أسمع من سيدة مسنة أن الناس في مراكز الإيواء باتوا يعرفوننا بالاسم، وينتظرون وصولنا بوجباتنا لأنها تعجبهم ويحبون مذاقها، أو حين أسمع طفلا يصيح عند وصولنا 'وصلوا وصلوا' أشعر أن ما أقوم به يترك أثراً على القلوب والبطون"، بحسب عليا.

أما الوجبات التي يقدمها المطبخ فهي وفق ما تقول عليا "ما نقدمه عادة في منازلنا، فالمطبخ واحد تقريبا بين لبنان وسوريا، وخصوصا بين عكار واللاذقية، وبالتالي لم يكن غريبا عليّ ما أعددته من أكلات. وأكثر الوجبات التي تلقى قبولا ويحبها الناس هنا البرغل بالحمص، وشوربة العدس والخضار، ونحن ركزنا أيضا على الشوربات الدافئة لكون الكارثة وقعت في الشتاء وفي ظل درجات حرارة منخفضة جدا هنا، كذلك أحبت الناس طبخة القمحية، التي يطلق عليها في لبنان اسم الهريسة، وهو القمح المطبوخ مع الدجاج، ومسقعة الباذنجان، إضافة إلى ذلك نحاول بقدر الإمكان تحضير وجبات تلائم الأطفال كالساندويشات والبطاطا وغيرها، ولكن في النهاية محكومين بحجم ونوع التبرعات التي تصلنا".

وأبرز ما تحرص عليه عليا خلال إعدادها للطعام هي المعايير الصحية، وفق ما تؤكد، إن كان من ناحية النظافة وغسل الطعام بمياه الشرب أو في تنويع الطعام بين حبوب ولحوم وخضار وأجبان وألبان.

مشاهد لا تنسى

وجبة ساخنة ستشكل فرقا للمتضررين

تنقل عليا مشاهداتها على مدى الأسابيع الماضية التي أمضتها في سوريا، قصص لا تنتهي من الدمار والمعاناة والتشرد، وسط حالة حزن وحداد عام لا يوفر أحدا، "الناس هنا ما عادوا قادرين على التحمل، بعد الزلزال الثاني كانت هناك حالة انهيار جماعية، الناس اندفعت إلى الشوارع بأعداد أكبر، وقرروا البقاء لنحو أسبوع، بانتظار هدوء النشاطات الزلزالية، من شدة الخوف والتعب النفسي".

ورغم خروج 70 في المئة من الناس من الشوارع الآن، بحسب عليا، لا يزال عدد كبير من المشردين يفترشون الحدائق العامة والشوارع والمراكز التجارية، فيما يسكن البعض الآخر تحت شوادر نصبوها على الطرقات وفي خيم جاهزة، "وهناك عائلات تسكن في محال تجارية وكراجات مساء بعد إغلاقها من قبل أصحابها، ولا يزال عدد من السكان ينامون في سياراتهم على جوانب الطرقات".

الناس حتى الآن لم تتجاوز هول الصدمة، بحسب عليا، "لاسيما وأنهم كانوا أصلا ضحايا حرب ممتدة على مدى 12 عاما، وبين ليلة وضحاها سلبهم الزلزال ما تبقى لهم من مصادر أمان كمنازلهم وأعمالهم وأحبائهم".

وتختم المتطوعة اللبنانية بأول مشهد علق في ذهنها ولم يغادره منذ ذلك الحين، "كانت جوارب جديدة في كيسها لم تفتح بعد، ظاهرة من بين أنقاض مبنى دمره الزلزال في مدينة جبلة، يحاولون البحث بين أنقاضه عن ناجين، فكرت حينها بأن أحدا من الضحايا كان قد اشتراه جديدا ولم يلبسه بعد. بعد مدة علمت أن من هذا المبنى لم يخرج أحد على قيد الحياة، هذه التفاصيل الصغيرة تترك أثرا كبيرا، هناك طفل أو مراهق لم تسمح له الكارثة أن يلبس جواربه الجديدة، وكان يمكن أن أكون أنا، أو أي شخص أعرفه مكانه".