رجل يجلس بين أنقاض بعض المباني المنهارة. صورة تعبيرية
رجل يجلس بين أنقاض بعض المباني المنهارة. صورة تعبيرية

مشاهد مأساوية تنقل على الوسائل الإعلامية من تركيا وسوريا جراء الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد. وفي حين عداد الضحايا آخذ بالارتفاع، كان يمكن الخروج من الكارثة الطبيعية بخسائر أقل، لو كان عمران المباني في الأماكن المنكوبة مناسب مع المعايير الواجب اتباعها في المنطقة الواقعة على خط زلازل، وفق ما قال خبراء استطلع موقع "الحرة" رأيهم.

فبعد الزلزال الذي بلغت قوته 7,8 درجات وضرب فجر الإثنين جنوب شرق تركيا وسوريا المجاورة، وشعر بارتداداته سكان لبنان والأردن وإسرائيل، ما هو تقييم الخبراء للبناء العمراني في المنطقة؟ وكيف يمكن تلافي الخسائر الفادحة بالأرواح؟

يشير المهندس المعماري والأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية، نجيب صعب، في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "المشكلة في بعض بلدان الشرق الأوسط تكمن في أنها لا تطبق المواصفات اللازمة للبناء، في حين أن دول المنطقة ومنها تركيا وسوريا ولبنان والأردن معرضة للزلازل، وفيها سوابق زلزالية".

وإذ يعتبر أن "المسؤولين في بلدان المنطقة يتعاملون مع الكوارث الطبيعية كما يتعاملون مع التغيير المناخي، فلا يلمس المسؤولون الخطر مباشرة ولا يتوقعونه"، يؤكد أن يجب "التعلم من تجربة هولندا التي غيرت سياستها وقوانينها بعد فيضانات عام 1953، فأصبح البلد مبني على حواجز جديدة بوجه البحر وتغيرت قوانين البناء، لمواجهة أي فيضان وارتفاع في منسوب المياه".

وضمن الإطار، يؤكد الأكاديمي والباحث المتخصص بالشأن التركي، مهند حافظ، في حديث لموقع "الحرة" أن "السبب المباشر للأعداد الكبيرة من الخسائر بالأرواح في زلزال تركيا وسوريا، هو البناء الضعيف، حيث هشاشة البنية الإسمنتية والتسليح البنائي، فضلا عن أنه كان هذا الزلزال كان قويا للغاية".

وفي تحليل موجز لتاريخ تركيا مع السياسة العمرانية، يقول حافظ إن "زلزال عام 1999 الذي ضرب إزمير في تركيا، والذي أودى بحياة أكثر من 17 ألف شخص كان نقطة مفصلية على هذا الصعيد في تركيا، ومع استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في البلاد، بدأت الإجراءات تختلف في ما يتعلق بأساليب البناء وفق المعايير الدولية، لأنه قبل مجيء حزب العدالة والتنمية كانت أغلب البيوت في معظم المحافظات التركية قديمة وغير مجددة، وتاليا كان عدم التنظيم العمراني سببا أساسيا أن يتجاوز عدد ضحايا هذا الزلزال 17 ألف شخص".

وقال إن "أعطت الحكومة التركية أعطت حينها تعليماتها لجميع البلديات، بإعادة تجديد الأبنية بشكل شبه كامل. وتاليا كان هناك ضرورة أن يتحول الموقف إلى حزم في ما يتعلق بالعمران الجديد".

إلا أن حافظ اعتبر أن "أحداثا عدة أدت إلى تأجيل البت بالتجديد العمراني، منها حصول محاولة الانقلاب في 2016، وانشغال الحكومة بارتدادات هذه المحاولة الانقلابية لتأتي بعدها العمليات العسكرية في الشمال السوري ثم بعدها كورونا".


خطة تركية الحالية

يشير حافظ إلى أن "تركيا تعمل حاليا على ثلاثة مستويات، وهي:

  • على المدى القصير إخراج من هم تحت الأنقاض بأسرع وقت ممكن، وإيواء اللاجئين
  • على المستوى المتوسط، تبدأ عمليات البناء وإعادة الإعمار من جديد، وهذا يحتاج إلى عام أو أكثر
  • وعلى المستوى الاستراتيجي، وبما أن علماء الجيولوجيا يقولون إنه في تركيا يحصل زلزال شديدة وكبيرة كل نحو 30 عاما، فسوف تكون أولوية الحكومة المقبلة أن تضع خطة استراتيجية طويلة الأمد تمتد إلى 10 سنوات، لإعادة بناء الأبنية للأشخاص الذين يسكنون على خط الزلازل، وفق المعايير الدولية لمقاومة الزلازل كي لا تشهد تركيا ما حصل معها هذا الأسبوع في المستقبل.

ولفت حافظ إلى أنها سابقة أن "يضرب الزلزال كل هذه المحافظات بآن واحد"، مشددا على أنه "ليست تركيا وحدها مطالبة بأن تنظر في مستقبل الأبنية، بل كل دول المنطقة".

كيفية الاستعداد العمراني

وضمن الإطار يقول صعب، أنه "لا يمكن إلغاء أي ضرر ناتج عن الكوارث الطبيعية، إلا أنه باستطاعة حكومات دول المنطقة الاستعداد، أكان لناحية طريقة البناء، أو لجهة وضع التجهيزات اللازمة".

وبالنسبة لطريقة البناء، يشرح صعب أنه يجب التركيز على أساسات البناء، ففي اليابان تكون الأبنية قابلة للتحرك في مواجهة الزلزال، ولكن ما يمكن صنعه في دول المنطقة التي لم تصل إلى هذا الحد من الحداثة بعد، هو تدعيم الأساسات كثيرا فتصبح ثابتة ومتينة، وعندما يضربها الزلزال تظل ثابتة في الأرض، وإذا كان المكان مكون من أكثر من مبنى سكني يجب أن يكون هناك فواصل مرنة بينها".

ويوضح أن "الأساسات يتعين أن تكون أعمق وأعرض من الأساسات في المناطق غير المعرضة للزلازل. ويترتب زيادة تدعيم الباطون بالحديد، خصوصا للجهة التي عرضها أقل بجدران طويلة من "الباطون المسلح".

ويركز صعب على هذه النقاط بالنسبة للعمران:

  • ضرورة تقوية الأساسات بأعمدة تغرز في الأرض على أعماق تحددها طبيعة الأرض ومقدار الخطر الممكن وحجم البناء وشكله
  • مواصفات خاصة للباطون المسلح، وهو مادة البناء الأكثر استخداما في المنطقة، من خلال زيادة التسليح بالحديد بشكل يمنحه صلابة ومرونة في الوقت عينه. فالإسمنت يتحمل الضغط، والحديد مرن يتحمل التمدد والحركة
  • التأكد من وجود جدران من الباطون المسلح في الاتجاهين، خاصة الجهة الأضيق من المبنى، وعدم الاكتفاء بالأعمدة
  • البنى التحتية من طرقات وجسور وسدود وشبكات مياه ومجارير ومحطات كهرباء ومياه، كلها تقتضي اعتماد تصاميم تتحمل الزلازل، بمواصفات تتلاءم مع مقدار الخطر المتوقع في المنطقة.

ويوكد صعب أن "التدابير، مهما كانت قوية، لا يمكن أن ترد الخطر بشكل كامل، فمن الضروري وضع خطط طوارئ وتجهيزات وتدريب، استعدادا للتصدي للكوارث عند وقوعها".

وضرب الزلزال الذي بلغت قوته 7.8 درجة المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا، وهي منطقة يقطنها أكثر من 13.5 مليون شخص، مما أسفر عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص. وضعت الجثث ملفوفة في بطانيات وسجاد وأقمشة في شوارع بعض المدن فيما اكتظت المشارح والمقابر، حسب الأسوشيتد برس.

وارتفع عدد قتلى الزلزال، الذي وصفه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بـ"كارثة القرن"، إلى ما يقرب من 21 ألف قتيل. 

وأدى الطقس الشتوي والأضرار التي لحقت بالطرق والمطارات إلى إعاقة الاستجابة. واشتكى البعض في تركيا من أن الحكومة كانت بطيئة في الاستجابة.

وقالت وكالة إدارة الكوارث التركية إن أكثر من 110 آلاف من أفراد الإنقاذ يشاركون الآن في هذا الجهد وتم شحن أكثر من 5500 مركبة، بما في ذلك جرارات ورافعات وجرافات وحفارات. قالت وزارة الخارجية إن 95 دولة عرضت المساعدة.

أكثر من 160 ألف مبنى تركي بما يضم 520 ألف شقة انهارت أو تضررت
أكثر من 160 ألف مبنى تركي بما يضم 520 ألف شقة انهارت أو تضررت

بعد الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا في 6 فبراير الماضي، وخلف عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى، لا تزال كثير من العوائل في حالة حزن بسبب عدم العثور على أحبائهم.

ونقل تقرير مطول لصحيفة "وول ستريت جورنال"، نشر الثلاثاء، قصص بعض الأشخاص الذين فقدوا أقاربهم دون العثور حتى على جثثهم.

وذكر تقرير الصحيفة الأميركية قصة امرأة تدعى "جولهان أصلان"، بقيت لمدة ثلاثة أسابيع يقظة وجالسة بجوار أنقاض مبنى شاهق انهار نتيجة الزلزال، حيث كانت ابنتها زينة البالغة من العمر 23 عاما تقيم في شقة أحد أصدقائها بالمبنى عندما وقعت الكارثة، ولم يرها أحدا منذ ذلك الحين.

ويقول أقارب الضحايا إن نحو 80 شخصا ما زالوا في عداد المفقودين بمجمع "رونيسانس" السكني في أنطاكيا، الذي انهار بفعل الزلزال. وبدأت عمليات إزالة الأنقاض تمهيدا لإعادة الإعمار.

وتقول جولهان وزوجها مولود، إنهما يزوران المستشفيات بحثا عن ابنتهما، علها تكون على قيد الحياة وتتلقى العلاج. وقال مولود أصلان: "كل يوم نموت"، تعبيرا عن المعاناة في البحث عن زينة.

ومع تقدم تركيا في التعافي من الزلزال، الذي دمر مساحات واسعة من جنوب البلاد وشمال سوريا المجاورة، تواجه عائلات المفقودين احتمال ألا يعرفوا أبدا مصير أحبائهم الذين اختفوا تحت الأنقاض.

ولقي حوالى 51 ألف شخص مصرعهم من الزلزال الذي هز الدولتين يوم 6 فبراير - حوالي 45098 في تركيا ونحو 5900 في سوريا. ومن المتوقع أن يرتفع عدد القتلى مع استمرار العثور على الجثث تحت أنقاض عشرات الآلاف من المباني المنهارة.

ولا توجد إحصاءات عامة عن عدد الأشخاص الذين فقدوا بعد الزلزال. وعندما ضرب زلزال غربي تركيا في عام 1999، قتل نحو 17 ألف شخص وبقي نحو 300 في عداد المفقودين.

ويلفت التقرير إلى أنه تم دفن العديد من الجثث في مقابر مجهولة تحمل أرقاما تتوافق مع ملفات الشرطة، بسبب عدم قدرة المستشفيات والمشارح على استيعابها.

وقبل الدفن، يتم أخذ عينة من الحمض النووي من العضلات أو الأسنان أو العظام، وإذا تم العثور على تطابق، فإن السلطات تستخرج الجثة.

وتسبب الزلزال والهزات الارتدادية اللاحقة في إصابة أكثر من 108 آلاف شخص في تركيا وإيواء الملايين في خيام أو سعيهم للانتقال إلى مدن أخرى.

ورغم تعهد إردوغان، بإعادة بناء المنازل في غضون عام واحد، إلا أن الأمر قد يستغرق وقتا أطول قبل أن يتمكن الآلاف من مغادرة الخيام أو حاويات البضائع التي يسكنون فيها للانتقال إلى مساكن دائمة.

وأكثر من 160 ألف مبنى تركي بما يضم 520 ألف شقة، انهارت أو تضررت بشدة في الكارثة، وهي الأسوأ في تاريخ البلاد الحديث.