حين استقر المقام بعائلة السوري، عبده، في مجمع سكني بمدينة أنطاكية في محافظة هاتاي التركية، توقع أن تجد أسرته ملاذا آمنا من الحرب في الوطن الأم.
لكن الزلزال، الذي ضرب المدينة وسوى مبانيها بالأرض، خيب آمال أسرة عبده التي غادرت إلى تركيا قبل نحو خمس سنوات، وكشف الزلزال كذلك عن حجم مأساة طرق البناء في تركيا.
في موقع المبنى السكني المكون من 12 طابقا والذي انهار من جراء الكارثة، وقف عبده وأشقاؤه الأربعة على أمل العثور على زوجة "زينة" زوجة عبده، وأبنائه الثلاثة تحت الأنقاض لكن هذه الآمال تلاشت شيئا فشيئا مع ضعف إمكانات البحث والإنقاذ، والآن باتوا يأملون فقط في العثور على جثثهم من الموقع، وفق صحيفة وول ستريت جورنال التي أوردت قصة الأسرة السورية المفجوعة.
وتقول الصحيفة إن أشقاء عبده الأربعة الذين انتشروا في العالم، بعد أن فروا من مسقط رأسهم في إدلب، جاءوا على الفور إلى هناك لمساعدة أخيهم.
ويقول علاء: "كنا جميعا نبكي".
وعندما ضرب الزلزال المنطقة التي يقع فيها مجمع رونيسانس السكني، كان عبده، الأكبر سنا، في رحلة عمل بسوريا، حيث يتاجر في مستحضرات التجميل وزيت الزيتون ويدير صيدلية عن بعد.
في عام 2017، عبر السوري وزوجته إلى تركيا سيرا على الأقدام مع أطفالهما. وفي أنطاكية، اعتقد أن الأسرة قد وجدت أخيرا مستقرا. وهناك تفوق طفلاه نادر (11 عاما) وجانا (9 أعوام) في المدرسة، وكانا يتحدثان اللغتين التركية والإنكليزية بالإضافة إلى لغتهم الأم، العربية.
وقال عبده إنه عندما انتقلت العائلة إلى مجمع رونيسانس، في عام 2019، بمسبحه وملعبه، شعر أنه قد حقق النجاح الذي يسعى إليه. وقال: "اخترت المسكن لأنه بدا وكأنه مكان آمن لعائلتي".
لكن تبين عكس ذلك، ففي أعقاب الزلازل، ألقت تركيا القبض على عشرات المقاولين والمهندسين المعماريين الذين أشرفوا على المباني التي انهارت، ومن بينهم المقاول الذي بنى هذا المجمع.
واتهمت السلطات التركية عشرات الأشخاص، في عدة مناطق وقع فيها الزلزال، باستخدام مواد رخيصة أو غير مناسبة واتهموا السلطات بالتهاون في إنشاءات دون المستوى.
وقال وزير العدل التركي، بكر بوزداغ: "لن يتم إزالة الأنقاض من دون جمع الأدلة. وسيجري تقييم كل من كان مسؤولا عن إنشاء وتشطيب واستخدام المباني".
وأمام مجمع رونيسانس، قال متطوع في الإنقاذ إن النيران اشتعلت في المبنى بعد الزلزال، ما أدى إلى تأخير دخول رجال الإنقاذ، كما دمر الزلزال مدرج أقرب مطار وعرقل جهود الإنقاذ.
وقال علاء، شقيق رب الأسرة المكلوم: "عندما وصلنا، صُدمنا تماما.. وقفنا أمام المبنى الضخم وشعرنا بمدى ضعفنا.. تشعر أن كل ما لديك، المال والشباب والقوة، لا يعني شيئا".
وهناك، ارتدى الأخوة قبعات وسترات براقة، وحصلوا على مخططات معمارية للمجمع وصورا جوية للكارثة. وقال شقيقه، أدهم، وهو مهندس معماري، إنهم صعدوا إلى بئر المصعد بالمبنى للبحث عن شقة عبده، لكن الدمار كان أكبر من أن يتمكنوا من فعل شيء بمفردهم، كما أن الآلات الثقيلة المحدودة في الموقع والتي كان من الممكن أن تساعدهم كانت تُستخدم بالفعل في مكان آخر.
ومع تضاؤل الآمال، اتفقوا مع شقيقي زينة على مراقبة الموقع، على مدار الساعة، على أمل العثور على الجثث ضمن أكياس الجثث السوداء التي ينقلها العمال باستمرار.
ويقول عبده: "كانت زينة تقلق علي كثير، وتقول: "لا تذهب إلى سوريا، أخشى عليك، أرجوك ابق هنا"... لم أتخيل أبدا أنها كانت على وشك الموت".
