الرئيس السوري بشار الأسد خلال حديثه لوسائل الإعلام أثناء زيارته لحلب بعد الزلزال (سانا)
الرئيس السوري بشار الأسد خلال حديثه لوسائل الإعلام أثناء زيارته لحلب بعد الزلزال (سانا) | Source: Syrianarabnewsagency

بعد استمراره في قتل شعبه منذ ما يزيد على ١٠ سنوات، جاءت كارثة الزلزال لتمثل فرصة للرئيس السوري، بشار الأسد، وعائلته، لمحو الأدلة على الجرائم البشعة التي ارتكبها نظامه، بل وليطالب العالم بتمويل إعادة الإعمار في سوريا، وفق ما يشير تقرير لصحيفة "ذا صانداي تايمز البريطانية.

وهاجمت الصحيفة، في تقرير، الأحد، الأسد بسبب ظهوره ضاحكا، بصحبة زوجته أسماء، أثناء زيارته لمواقع الدمار والناجين في حلب التي يسيطر عليها النظام، بعد أربعة أيام فقط من الزلزال الذي ضرب شمال غربي سوريا.

وذكرت الصحيفة أنه قبل الزلزال ببضع ساعات، واصل سلاح الجو التابع للأسد، بدعم روسي، قصف المنطقة الشمالية الغربية التي تسيطر عليها المعارضة، وهي المنطقة الأكثر تضررًا من كارثة الزلزال. وأوضحت أنه لطالما أراد الأسد تدمير هذه المنطقة وقتل أهلها، حتى جاء الزلزال وأعطاه مكسبًا تكتيكيًا، لدرجة أن أنصاره تداولوا رسائل عبر الإنترنت تقول إن التدخل الإلهي أنقذ الأسد من تكلفة البراميل المتفجرة.

 و"الأسد" الذي وصفته الصحيفة البريطانية بـ"الديكتاتور الذي يذبح شعبه منذ أكثر من عقد"، ذكرت أنه ارتكب منذ عام 2011 أغلب الفظائع الممكنة بحق الشعب السوري، مثل الاغتصاب والتعذيب والأسلحة الكيماوية والحصار والتجويع والقصف الشامل وتدمير المناطق المدنية. ورد الغرب بفرض حصار وقيود على عائلة الأسد ونظامه ككل، وكانت الفكرة أن الضغط الاقتصادي سيدفع الأسد للموافقة على تسوية سياسية. لكن سهلت روسيا وإيران والصين وأصدقاء آخرون للنظام السوري التحايل على العقوبات من خلال إنشاء شركات وهمية وإدارة المعاملات الاحتيالية وتزويد نظام الأسد بشريان الحياة الاقتصادي، من الوقود إلى القروض إلى صفقات الاستثمار.

بشار الأسد يزور ضحايا الزلزال

وبينما استمر الأسد في الظهور من خلال التقاط صور له باستخدام أحدث تقنيات شركة آبل، تمسكت زوجته بارتداد أحدث ملابس المصممين الغربيين. وطوال تلك السنوات، تمسك نظامه بروايتين بسيطتين، الأولى أن الغرب هو المسؤول عن معاناة السوريين بسبب العقوبات المفروضة وليس تصرفات الأسد، والثانية أن كل من يعارض النظام السوري هو إرهابي، وفقا لـ"التايمز".

وجاء الزلزال على شكل فرصة عظيمة لن تتكرر للأسد بعد سنوات من العزلة السياسية، لذلك كان حريصا على تقديم نفسه على أنه يتمتع بالشرعية الدولية، وسلط الضوء على جميع رسائل التعازي التي تلقاها من قادة العالم، وكثير منهم من الدول العربية.

وازدادت ثقة الأسد على المستوى السياسي أيضًا، حين بدأت الدول العربية في إرسال مساعدات إنسانية إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام. لكن بالنسبة للأسد، فإن الجائزة الحقيقية هي إعادة العلاقات مع الغرب والحصول على تمويل غربي لإعادة الإعمار، وفقا للصحيفة.

وفي إطار الضغط من أجل التطبيع الفعلي، تكرر القنوات الإعلامية التابعة للنظام السوري والقنوات الروسية المطالبات بأن على الغرب رفع العقوبات عن سوريا لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية وأن المساعدات الخارجية يجب أن تصل عبر دمشق التي يسيطر عليها النظام.

وذكرت "ذا تايمز" أنه في الأسبوع الذي تلا الزلزال، انتقد عضوان بالكونغرس الأميركي قرار وزارة الخزانة الأميركية بتعليق العقوبات على سوريا لمدة ستة أشهر، بسبب المعاملات المتعلقة بالإغاثة من الزلزال، قائلين إن "هذا يمهد الطريق لتطبيع العلاقات مع الأسد".

ورأت الصحيفة أن قرار الأسد فتح معبرين آخرين لمرور المساعدات جاء كمحاولة منه لأخذ المبادرة من مجلس الأمن الذي كان يخطط لعقد جلسة لفتح معبرين إلى جانب المعبر الوحيد عبر الحدود مع تركيا. وأوضحت أن مبعوث سوريا في الأمم المتحدة، بسام صباغ، كان ضاحكا مثل رئيسه عندما أعلن أن قرار فتح المعبرين هو سيادي، وأن الحكومة هي من تسيطر على الحدود، مناقضا نفسه عندما قال إن حدود شمال- غرب سوريا هي تحت الاحتلال التركي والجماعات الإرهابية.

وأكدت الصحيفة البريطانية أن العقوبات وحدها لا تكفي، ولا يمكن للغرب أن يستمر في تجاهل حقيقة أن التدخل الروسي في الحرب عام 2015 أنقذ الأسد من الهزيمة العسكرية، أو أن بقاء الأسد يعتمد على الدعم الروسي والإيراني المستمر.

وطالبت "ذا تايمز" الغرب بأنه إذا كان جادًا بشأن محاسبة روسيا على أفعالها في أوكرانيا، فلا يمكنه تجاهل ما فعلته في سوريا، لأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والأسد وجهان لعملة واحدة.

الأسد يسعى لتحقيق مكاسب سياسية من كارثة الزلزال. أرشيفية

وفي السياق نفسه، نشر "معهد واشنطن"، الخميس ١٦ فبراير، تحليلا للمدير السابق لشؤون سوريا في مجلس الأمن القومي الأميركي، أندرو تابلر، دعا فيه الولايات المتحدة لاتخاذ خطوات معينة للتأكد أن الترخيص العام الأخير الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية لا يخلق ثغرات جديدة للنظام السوري أو رعاته في موسكو وطهران أو لشركائه الإرهابيين الأجانب.

وأكد التحليل أن إشادة الدول والمنظمات الأممية بقرار الأسد الموافقة على افتتاح معبرين إضافيين لإدخال المساعدات إلى شمال سوريا عقب الزلزال، كانت لتبدو خطوة جيدة لو أن التمديد كان لأكثر من ثلاثة أشهر، لأن المدة محددة، بالإضافة إلى أنها غير كافية لتلبية الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة في أعقاب الزلزال الذي أودى حتى الآن بحياة أكثر من 4000 شخص في مناطق سيطرة المعارضة.

وطالب التحليل واشنطن بتخفيف العقوبات الأميركية بشكل مناسب لدعم الإغاثة لضحايا ومتضرري الزلازل دون مساعدة النظام السوري نفسه، خاصة أن النظام يأمل استغلالها للتهرب من المسؤولية عن انتهاكاته العديدة. وما زاد هذه المعضلة تعقيداً هو أن بعض دول المنطقة تدفع باتجاه تطبيع العلاقات مع النظام.

أحمدي نجاد وبشار الأسد.. أرشيفية

وبالتزامن مع المخاوف التي عبر عنها تقرير "ذا تايمز" و"معهد واشنطن"، صرح وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، السبت، أن إجماعا بدأ يتشكل في العالم العربي على أنه لا جدوى من عزل سوريا، وأن الحوار مع دمشق مطلوب "في وقت ما" حتى تتسنى على الأقل معالجة المسائل الإنسانية بما في ذلك عودة اللاجئين، وفقا لوزارة الخارجية السعودية.

وتمثل التصريحات التي أدلى بها الأمير في منتدى ميونيخ للأمن، السبت، تغيرا في السياسة التي تم تبنيها في السنوات الأولى للحرب الأهلية السورية المستمرة منذ ما يقرب من 12 عاما عندما دعمت دول عربية من بينها السعودية جماعات من المعارضة المسلحة قاتلت ضد رئيس النظام بشار الأسد، وفقا لوكالة "رويترز".

وقال الأمير فيصل "سترون أن إجماعا يتزايد ليس فقط بين دول مجلس التعاون الخليجي بل في العالم العربي على أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار".

وأضاف أنه في ظل غياب سبيل لتحقيق "الأهداف القصوى" من أجل حل سياسي فإنه "بدأ يتشكل" نهج آخر لمعالجة مسألة اللاجئين السوريين في دول الجوار ومعاناة المدنيين خاصة بعد الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا.

وتابع الوزير السعودي أنه "لذلك، ينبغي أن يمر ذلك عبر حوار مع حكومة دمشق في وقت ما بما يسمح على الأقل بتحقيق الأهداف الأكثر أهمية خاصة فيما يتعلق بالزاوية الإنسانية وعودة اللاجئين وما إلى ذلك".

إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد
إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد

دفعت الزلازل، التي أسفرت عن مقتل نحو 44 ألف شخص ودمرت مدنا في جنوب شرق تركيا، سلطات البلاد لإعادة النظر مرة أخرى في سبل التصدي لهزة مماثلة في حالة وقوعها في قلب تركيا الصناعي المكتظ بالسكان في الشمال الغربي.

وتقع إسطنبول، وهي أكبر مدن تركيا ويبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، وتعد المحرك التجاري للبلاد، بالقرب من الفوالق الأرضية في الصفائح التكتونية التي تتقاطع في تركيا. وأسفر زلزالان فصلت بينهما ثلاثة أشهر عن مقتل قرابة 20 ألفا في شمال غرب البلاد عام 1999. ويقول علماء جيولوجيا إن من الممكن أن يقع زلزال جديد.

وقدر البنك الدولي أمس الأضرار المادية المباشرة التي تسبب فيها زلزال السادس من فبراير شباط بنحو 34 مليار دولار، لكن إجمالي تكاليف إعادة الإعمار والتعافي قد تصل إلى مثلي هذا المبلغ. وتضم المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد جزءا كبيرا من قطاع التصنيع، ومع ذلك فهو أصغر من نظيره في شمال غرب تركيا.

ومن الممكن أن تؤدي هزة بحجم زلزال فبراير حال وقوعها في إسطنبول، إحدى المدن الكبرى في العالم والتي تقع على مضيق البوسفور الاستراتيجي، إلى قدر كبير من الخراب والدمار وبالتالي فإن الأمر يتطلب المزيد من الاستعدادات.

وقال بورا جوكتشي نائب رئيس بلدية إسطنبول التي تديرها المعارضة "هذا هو المركز الصناعي (لتركيا). دمار بهذا الحجم هنا يمكن أن يكون له عواقب وخيمة أكبر كثيرا قد تؤدي إلى تدمير البلاد".

وأضاف بورا المسؤول عن إدارة مخاطر الزلازل بالبلدية "يجب على الدولة أن تنظر إلى هذا على أنه أمن قومي ويجب أن تعطيه أولوية وتخصص موارد هنا".

ومن المنتظر أن تكون أحداث الزلازل، التي وقعت هذا الشهر، ومسألة الاستعداد لحدوث زلزال كبير في منطقة مرمرة شمال غرب البلاد والتي تضم إسطنبول من المحاور الرئيسية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القررة في تركيا بحلول يونيو.

وشهدت فترة حكم الرئيس رجب طيب أردوغان المستمرة منذ عقدين طفرة في قطاع البناء. ومن المتوقع الآن أن يواجه أكبر التحديات السياسية له في هذه الانتخابات، وتعهد بحملة سريعة لإعادة بناء عشرات الآلاف من المنازل في أعقاب الزلازل التي دمرت أكثر من 180 ألف مبنى.

ويقطن منطقة مرمرة 25 مليون نسمة وتمثل ما يزيد قليلا على 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد حتى عام 2021، وفقا لبيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي.

التحضر السريع

تستضيف المنطقة الكثير من المصانع المنتجة لبضائع مثل الأسمنت والمنسوجات ومكونات السيارات. وتعد قناة عبور للتجارة الدولية، إذ تضم العديد من الموانئ التجارية وموانئ الركاب ومضيق إسطنبول الذي يربط بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

ويلتقي في تركيا عدة خطوط تصدع نشطة، مما يجعلها عرضة للزلازل القوية. ويمر فرع من خط صدع شمال الأناضول عبر بحر مرمرة جنوب إسطنبول.

ويقول الخبراء إنه يجب تركيز الاهتمام مجددا على استعداد إسطنبول لزلزال كبير، وهو الأمر الذي كان موضوع نقاش عام بشكل دوري منذ كارثة عام 1999.

وقال بورا "كان من الممكن تحسين معايير (البناء) على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية لو كان قد تم اتخاذ خطوات بشكل منهجي، لكن.. لم يحدث ذلك"، محذرا من أن الاستعداد لزلزال في إسطنبول أو بالقرب منها لم يكن مهمة كيان حكومي واحد وأنه يتطلب جهدا على مستوى الأمة.

وأضاف بورا "نحن بحاجة إلى تعبئة من جانب جميع مؤسسات الدولة... وعلينا تغيير السياسات وإنجاز ذلك في غضون خمسة إلى ستة أعوام قادمة".

ومنذ عام 1999، شهدت إسطنبول موجة سريعة من التحضر، معظمها تحت حكم أردوغان. وفي عام 2018، قدمت الحكومة ما يسمى بعفو التقسيم في عموم تركيا لإضفاء الشرعية على أعمال البناء غير المسجلة، والتي حذر المهندسون والمعماريون من أنها قد تعرض الأرواح للخطر.

وتنفي الحكومة الانتقادات القائلة بأنها كانت متساهلة فيما يتعلق بمعايير السلامة، لكن وزير العدل التركي بكر بوزداغ أقر الأسبوع الماضي بأنه يجب على تركيا ألا تستمر في تنفيذ العفو بعد الآن ويجب أن تراجع العقوبات المفروضة في حالة البناء دون الالتزام بالمعايير.

ويرأس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المنتمي لحزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد. وكان إمام أوغلو تصادم مع أردوغان في الماضي وينظر إليه على أنه منافس محتمل له في الانتخابات الرئاسية.

ومن المقرر أن يعلن عن "خطة تعبئة" لإسطنبول غدا الأربعاء.

وقال بورا إن الاستعدادات لزلزال في إسطنبول يجب ألا تقتصر على تقييم المباني وتقويتها، بل يجب أن تشمل أعمال البنية التحتية لتأمين تدفق الطاقة والمياه.

وأضاف أنه منذ الزلزال الذي وقع في الجنوب الشرقي، تلقت بلدية إسطنبول أكثر من مئة ألف طلب لتقييم مقاومة المباني، مما أدى إلى تعطل موقع البلدية على الإنترنت.