الدمار بعد الزلزال. صورة تعبيرية
الدمار بعد الزلزال. صورة تعبيرية

بعد الدمار الهائل الذي خلفه زلزال تركيا وسوريا، تسود مخاوف من انتشار أمراض معدية وتنفسية وجراثيم، في المناطق المنكوبة، وخصوصا في المخيمات المكتظة، والتي ربما تنتشر خارجها أيضا جراء دخول الفرق الإنسانية.

وسبق أن صرح وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة، السبت، أنه على رغم الزيادة في حالات المرض المرتبطة بالمعدة والجهاز التنفسي العلوي إلا أن الأعداد لا تشكل تهديدا خطيرا على الصحة العامة، مضيفا أنه اتخذت إجراءات لمراقبة الأمراض المحتملة والوقاية منها.

وأضاف الوزير في مؤتمر صحفي في إقليم هاتاي: "أولويتنا الآن هي التعامل مع الحالات التي يمكن أن تهدد الصحة العامة والوقاية من الأمراض المعدية"، حسب رويترز.

وفي حين حذرت منظمات صحية في تركيا من إمكانية انتشار الأوبئة في كهرمان مرعش التي ضربها الزلزال، وذلك جراء وجود عشرات الآلاف من الأشخاص في المخيمات التي تغيب عنها الكهرباء وإجراءات النظافة اللازمة والمياه الصحية، ما يزيد من احتمالية انتشار الأمراض والأوبئة كالكوليرا والأمراض التنفسية.

وعبرت منظمات إنسانية عن قلقها من انتشار وباء الكوليرا الذي ظهر مؤخرا في سوريا، وفقا لفرانس برس.

وضمن الإطار، تشير رئيسة الجمعية اللبنانية للأمراض الجرثومية مادونا مطر في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه "بالأساس هناك انتشار للكوليرا ليأتي هذا الدمار كي يزيد المأساة"، مؤكدة أنه من المهم في هذه المناطق هو الانتباه للمياه، ومن مصدرها، ومن نظافة الطعام وكل ما له علاقة بالجراثيم التي تتسبب بالإسهال والحرارة، أكان الكوليرا أو التيفوئيد".

وتشدد مطر على أن "الأمراض التنفسية تنتشر، خصوصا في ظل الاكتظاظ بالمخيمات، وبعد ما حصل من دمار، إضافة إلى ما تسببه هبوط المنازل من غبار، فالهواء الملوث يسبب الفطر والحساسية والأمراض التنفسية".

وتلفت إلى أنه "هذا فضلا عن أن الناس تهجرت، والآن باتت تعيش في مخيمات مكتظة، فالفيروسات تصبح قابلة للانتقال بسرعة والتفشي".

وتعرضت آلاف المباني للتدمير كليا وجزئيا نتيجة الزلزال، فيما تضررت البنية التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي في المناطق المنكوبة، وهو ما يزيد من خطر انتشار الأوبئة والأمراض المعدية مثل الكوليرا.

الناجون من الزلزال معرضون لعدة أمراض
زلزال تركيا وسوريا.. أمراض جسدية ومشكلات نفسية قد تلاحق الناجين
بعد الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا الأسبوع الماضي، وخلف عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى، تتزايد المخاوف من انتشار الأوبئة والأمراض المعدية في المناطق المنكوبة، في وقت تطرح فيه تساؤلات عن الصحة الجسدية والنفسية للناجين، والعناية والمتابعة التي يحتاجها ضحايا الزلزال.

وحسب تقرير سابق لفرانس برس، فإن القطاع الطبي التركي يعتبر من الأكثر تضررا بسبب اعتماده على الواردات مع انهيار العملة الوطنية.

وأصبحت مجموعة كاملة من الأدوية المخصصة لعلاج أمراض مثل السكري والسرطان أو حتى نزلات البرد غير متوفرة في 27 ألف صيدلية في تركيا. وفقدت الليرة التركية أكثر من نصف قيمتها منذ بداية العام أمام الدولار. بل تراجعت بشكل حاد منذ إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان "حرب الاستقلال الاقتصادي".

وسبق أن قال وزير البيئة التركي، مراد كوروم، أن أكثر من 84 ألف مبنى انهارت أو يتعين هدمها بسرعة أو تضرّرت بشدة في الزلزال. وفي أنطاكية التي تشكل ملتقى حضارات عدة وتعد واحدة من المناطق الأكثر تضرراً بالزلزال. وشهدت المدينة زلازل عدة - زلزال واحد كل نحو مئة عام - وإعادة بنائها ليست أمرا غريبا، حسب فرانس برس.

إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد
إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد

دفعت الزلازل، التي أسفرت عن مقتل نحو 44 ألف شخص ودمرت مدنا في جنوب شرق تركيا، سلطات البلاد لإعادة النظر مرة أخرى في سبل التصدي لهزة مماثلة في حالة وقوعها في قلب تركيا الصناعي المكتظ بالسكان في الشمال الغربي.

وتقع إسطنبول، وهي أكبر مدن تركيا ويبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، وتعد المحرك التجاري للبلاد، بالقرب من الفوالق الأرضية في الصفائح التكتونية التي تتقاطع في تركيا. وأسفر زلزالان فصلت بينهما ثلاثة أشهر عن مقتل قرابة 20 ألفا في شمال غرب البلاد عام 1999. ويقول علماء جيولوجيا إن من الممكن أن يقع زلزال جديد.

وقدر البنك الدولي أمس الأضرار المادية المباشرة التي تسبب فيها زلزال السادس من فبراير شباط بنحو 34 مليار دولار، لكن إجمالي تكاليف إعادة الإعمار والتعافي قد تصل إلى مثلي هذا المبلغ. وتضم المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد جزءا كبيرا من قطاع التصنيع، ومع ذلك فهو أصغر من نظيره في شمال غرب تركيا.

ومن الممكن أن تؤدي هزة بحجم زلزال فبراير حال وقوعها في إسطنبول، إحدى المدن الكبرى في العالم والتي تقع على مضيق البوسفور الاستراتيجي، إلى قدر كبير من الخراب والدمار وبالتالي فإن الأمر يتطلب المزيد من الاستعدادات.

وقال بورا جوكتشي نائب رئيس بلدية إسطنبول التي تديرها المعارضة "هذا هو المركز الصناعي (لتركيا). دمار بهذا الحجم هنا يمكن أن يكون له عواقب وخيمة أكبر كثيرا قد تؤدي إلى تدمير البلاد".

وأضاف بورا المسؤول عن إدارة مخاطر الزلازل بالبلدية "يجب على الدولة أن تنظر إلى هذا على أنه أمن قومي ويجب أن تعطيه أولوية وتخصص موارد هنا".

ومن المنتظر أن تكون أحداث الزلازل، التي وقعت هذا الشهر، ومسألة الاستعداد لحدوث زلزال كبير في منطقة مرمرة شمال غرب البلاد والتي تضم إسطنبول من المحاور الرئيسية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القررة في تركيا بحلول يونيو.

وشهدت فترة حكم الرئيس رجب طيب أردوغان المستمرة منذ عقدين طفرة في قطاع البناء. ومن المتوقع الآن أن يواجه أكبر التحديات السياسية له في هذه الانتخابات، وتعهد بحملة سريعة لإعادة بناء عشرات الآلاف من المنازل في أعقاب الزلازل التي دمرت أكثر من 180 ألف مبنى.

ويقطن منطقة مرمرة 25 مليون نسمة وتمثل ما يزيد قليلا على 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد حتى عام 2021، وفقا لبيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي.

التحضر السريع

تستضيف المنطقة الكثير من المصانع المنتجة لبضائع مثل الأسمنت والمنسوجات ومكونات السيارات. وتعد قناة عبور للتجارة الدولية، إذ تضم العديد من الموانئ التجارية وموانئ الركاب ومضيق إسطنبول الذي يربط بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

ويلتقي في تركيا عدة خطوط تصدع نشطة، مما يجعلها عرضة للزلازل القوية. ويمر فرع من خط صدع شمال الأناضول عبر بحر مرمرة جنوب إسطنبول.

ويقول الخبراء إنه يجب تركيز الاهتمام مجددا على استعداد إسطنبول لزلزال كبير، وهو الأمر الذي كان موضوع نقاش عام بشكل دوري منذ كارثة عام 1999.

وقال بورا "كان من الممكن تحسين معايير (البناء) على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية لو كان قد تم اتخاذ خطوات بشكل منهجي، لكن.. لم يحدث ذلك"، محذرا من أن الاستعداد لزلزال في إسطنبول أو بالقرب منها لم يكن مهمة كيان حكومي واحد وأنه يتطلب جهدا على مستوى الأمة.

وأضاف بورا "نحن بحاجة إلى تعبئة من جانب جميع مؤسسات الدولة... وعلينا تغيير السياسات وإنجاز ذلك في غضون خمسة إلى ستة أعوام قادمة".

ومنذ عام 1999، شهدت إسطنبول موجة سريعة من التحضر، معظمها تحت حكم أردوغان. وفي عام 2018، قدمت الحكومة ما يسمى بعفو التقسيم في عموم تركيا لإضفاء الشرعية على أعمال البناء غير المسجلة، والتي حذر المهندسون والمعماريون من أنها قد تعرض الأرواح للخطر.

وتنفي الحكومة الانتقادات القائلة بأنها كانت متساهلة فيما يتعلق بمعايير السلامة، لكن وزير العدل التركي بكر بوزداغ أقر الأسبوع الماضي بأنه يجب على تركيا ألا تستمر في تنفيذ العفو بعد الآن ويجب أن تراجع العقوبات المفروضة في حالة البناء دون الالتزام بالمعايير.

ويرأس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المنتمي لحزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد. وكان إمام أوغلو تصادم مع أردوغان في الماضي وينظر إليه على أنه منافس محتمل له في الانتخابات الرئاسية.

ومن المقرر أن يعلن عن "خطة تعبئة" لإسطنبول غدا الأربعاء.

وقال بورا إن الاستعدادات لزلزال في إسطنبول يجب ألا تقتصر على تقييم المباني وتقويتها، بل يجب أن تشمل أعمال البنية التحتية لتأمين تدفق الطاقة والمياه.

وأضاف أنه منذ الزلزال الذي وقع في الجنوب الشرقي، تلقت بلدية إسطنبول أكثر من مئة ألف طلب لتقييم مقاومة المباني، مما أدى إلى تعطل موقع البلدية على الإنترنت.