حصيلة الزلزال بلغت 41 ألف قتيل. أرشيفية
زلزالي تركيا وسوريا (تعبيرية)

رغم مرور 15 يوما على الكارثة، لم يتوقف حتى الآن تسجيل الهزات الأرضية الارتدادية عقب الزلزال الكبير الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا في السادس من فبراير الجاري، لا بل إنها بدأت تأخذ منحاً تصاعديا لناحية العدد المسجل والقوة التي تبلغها، حيث شهدت الحدود التركية السورية، مساء أمس الاثنين، زلزالين متتابعين أحدهما بقوة 6.4 درجات والآخر بقوة 5.8 ريختر، ضربا ولاية هاتاي، ما أدى إلى سقوط 3 ضحايا و213 جريحا، بحسب الداخلية التركية.

استمرار تسجيل الهزات الارتدادية، التي تجاوز عددها 6040 هزة أرضية على مدى الأسبوعين الماضيين، وفق ما أفادت إدارة الكوارث والطوارئ التركية، أثار مخاوف واسعة من أن يكون الوضع الجيولوجي القائم في دول شرق البحر المتوسط غير طبيعي أو مستقر، وينذر بكوارث أخرى مقبلة، وسط حديث عن إمكانية أن تكون تلك الهزات مقدمة أو تمهيداً لزلزال أكبر. وهو تحليل ساهمت موجات الأخبار الزائفة والتهويل في منحه انتشاراً أوسع، ما أدى إلى انتشار حالات الذعر والترقب. 

وافترش مئات السكان في تركيا سوريا ولبنان الشوارع العامة والساحات المفتوحة، خشية سقوط المباني فوق رؤوسهم بسبب تكرار الهزات الأرضية، التي وعلى الرغم من ضعف قوتها نسبة للزلزال الكبير الذي سبق أن ضرب المنطقة، لا تقل خطورة عنه، إذ من شأنها أن تؤدي إلى انهيارات واسعة في الأبنية التي سبق أن ضعضعها الزلزال، وهو ما واجهه السكان وفرق الإنقاذ بصورة يومية طيلة الفترة الماضية في كل من تركيا وسوريا. 

 

 

ودعا مدير عام قسم الزلازل والحد من المخاطر في "آفاد" أورهان تتار إلى تجنب دخول المباني المتضررة في ظل استمرار خطر الهزات الارتدادية، مشيرا إلى أنه من الممكن أن يتجاوز بعضها 5 درجات، كما حذر من "كوارث ثانوية" مثل الانهيارات الأرضية وانهيارات الصخور.

بالتزامن كان قد استفاق سكان عدد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، الاثنين، على انحسار كبير لمياه البحر عن الشواطئ، بحسب ما أظهرت صور ومقاطع مسجلة من لبنان وليبيا وتونس وإيطاليا وإسرائيل وفلسطين، ما أثار حالات هلع من إمكانية أن يكون تراجع المياه إشارة إلى احتمال عودتها على شكل موجات تسونامي، خاصة وأن هذه الظاهرة جاءت عقب العديد من الهزات الارتدادية التي سجلت في الأيام الماضية، وبعضها كان مركزه في البحر المتوسط. 

هل هذا طبيعي؟ 

في بيان صادر عقب الزلزالين المتتاليين ليل الاثنين، طمأن "المركز الوطني للجيوفيزياء" في لبنان، إلى أنه من الطبيعي حصول هزات ارتدادية بعد الهزة التي ضربت ولاية هاتاي في تركيا مساء اليوم، لافتاً إلى أنها قد تكون محسوسة من قبل المواطنين، مؤكداً عدم وجود أي خطر من أمواج التسونامي في لبنان بحسب نظام الإنذار المبكر من التسونامي في البحر المتوسط.

وفي اتصال لموقع "الحرة" مع مديرة المركز مارلين البراكس، شرحت أن هذه الهزات الارتدادية "من الطبيعي جداً أن تحصل عقب زلزال كبير كالذي ضرب تركيا، وهذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الأمر عقب زلزال بهذا الحجم، وكلما كانت الهزة الأساسية قوية، كلما تبعها هزات ارتدادية أكثر وتمتد على مدة زمنية أطول، أحيانا لأيام وأسابيع وربما أشهر، وهذا الأمر ليس غريباً". 

من ناحيته يوضح الباحث والأستاذ المحاضر في الجيولوجيا وعلم الزلازل في الجامعة الأميركية في بيروت، طوني نمر، أنه عند وقوع الزلزال القوي، "يتحرك قسم كبير من الفالق الزلزالي المسبب، ولكن ليس بالكامل، وبالتالي القسم الذي لم يتحرك سيستمر بالتحرك بعد الزلزال إلى أن تعود الأرض إلى طبيعتها، وهو ما يسبب الهزات الارتدادية". 

ويضيف "من الطبيعي جدا أن تستمر الهزات الارتدادية، فذلك يعود إلى حجم الزلزال. وزلزال تركيا كان ضخماً فطول الكسر الذي تسبب به في الأرض يتراوح ما بين 300 و350  كلم، سيحتاج وقتا أطول ليلتئم الفالق كله، وهذا طبيعي". 

لكن وبحسب ما يؤكد الخبراء، فإن الهزات الارتدادية التي تلي الزلزال الكبير، تحصل على الفالق الزلزالي نفسه الذي وقع عليه الزلزال، وهو ما لا يفسر العديد من الهزات الأرضية التي سجلت خلال الأيام الماضية على فوالق زلزالية مختلفة، بعضها في البحر وبعضها الأخر على صدوع مختلفة تماماً. 

حول ذلك، تلفت البراكس إلى أن الهزات التي تحصل على فالق زلزالي مختلف، لا يمكن اعتبارها هزات ارتدادية، "لكن وبالرغم من كونها هزات أرضية مستقلة، فهي ناتجة عن الضغط الذي تسبب به الزلزال الكبير على ما يحيط به من فوالق". 

وتضيف "مثلا لدينا الصفيحة العربية لها حدود مع فالق المشرق، وفالق الأناضول، وبالتالي حين تتعرض هذه الصفيحة للضغط من الطبيعي أن ينتقل الضغط من فالق إلى آخر وينتج عن ذلك هزات مشابهة للتي نراها اليوم في سوريا أو في لبنان أو في البحر المتوسط".

من ناحيته، يؤكد نمر أن "كل ما هو من خارج هذا الفالق كما يجري في البحر لا يمكننا تسميتها هزات ارتدادية، تلك الهزات دائما ما كانت تحصل وأحياناً كثيرة تسجل المراكز هزات مشابهة لا يشعر بها الناس، ولكن اليوم بعد الكارثة التي سجلت أصبحت المتابعة أوسع والقلق أكبر، وهذا مفهوم". 

ماذا عن الزلزال الأقوى؟ 

ما يفسره المختصون، حول تأثير الفوالق والصفائح على بعضها البعض، وإمكانية انتقال الضغط الأرضي من فالق إلى آخر، يبني عليه مروجو الشائعات والأخبار المضللة، للتهويل من وقوع زلزال أقوى مما حصل في السادس من فبراير، فيما تختلف توقعات مكان وزمان حصوله، بحسب اختلاف مصدر التهويل. 

لكن علمياً ليس هناك تأثير مباشر، وفق نمر، "بحكم عدم اتصال الفوالق، ولكن الاهتزازات التي حصلت في الأرض طيلة المدة الماضية، أدت إلى خلخلة الفوالق المحيطة والأرض بينهم، فكما يحصل بالمنازل والأبنية يحصل في الأرض، ولكن ليس أكثر من ذلك، فمن غير المرجح أن يحصل زلزال أقوى، إذ عادةً ما تأتي الهزات الارتدادية على الفالق نفسه بدرجة أخف من الزلزال الكبير".

بدورها، تفسر البراكس، أنه ليس بالضرورة أن تؤدي تلك الحركة إلى زلزال أقوى، وتضيف "علمياً لا يمكن نفي هذه الاحتمالية نهائيا، بحكم عدم القدرة على التنبؤ بوقوع الزلازل، ولكن في الوقت نفسه، الاحتمالية ضعيفة جداً لأن الزلزال القوي الذي ضرب قبل أسبوعين، حرر القسم الأكبر من الطاقة الضاغطة، فيما قسم من الضغط ينتقل من مكان إلى آخر، فبمجرد تحرك قسم من الفالق، سيتسبب بضغط على القسم الآخر من الفالق أو فوالق أخرى مرتبطة به، وهو ما يؤدي لهذه التحركات غير الاعتيادية للقشرة الأرضية".

كذلك، "ليس بالضرورة أن تؤدي هذه الحركة غير الاعتيادية إلى زلزال كبير كالذي حصل، وانما انتقال الضغط من مكان إلى آخر يؤدي إلى تكسر في القشرة الأرضية لملء الفراغ الناتج عن الزلزال، وهو ما يؤدي إلى الهزات الارتدادية. فكل انكسار في الأرض هو هزة أرضية"، وفق مديرة المركز الوطني (اللبناني) للجيوفيزياء، التي تلفت إلى أنه وبحسب ما يسجل علمياً، "من النادر جداً أن يسجل زلزال قوي آخر، وانما تصبح الهزات أقل قوة، وتتراجع وتيرة حصولها مع الوقت". 

وبحسب الخبراء فإن المنطقة التي تشهد الهزات الأرضية في تركيا، تقع على فالق كبير له امتدادات عدة في البر والبحر، وهو فالق شرق الأناضول، الذي يحاذي الصفيحة العربية من جهة الجنوب، ويتعامد مع فالق البحر الميت، كما يلتقي بفالق شمال الأناضول، ويمتد إلى حدود جبال "زاغروس". 

وعليه، سوف تستمر الهزات الارتدادية، وفق ما يؤكد نمر، "إلى أن يستقر الضغط بين الصفائح وتتوقف حركة الفالق، ولا يمكن التنبؤ بالمدى الزمني لاستمرارها أو موعد توقفها، ولكن علينا التأقلم مع كوننا نعيش في منطقة زلزالية، فهناك هزات شهدناها في الفترة الماضية بعد زلزال تركيا، غير مرتبطة بالزلزال نفسه مباشرة".

ما من تسونامي

أما عن ظاهرة انحسار مياه البحر التي تشهدها سواحل عدة على البحر الأبيض المتوسط، يؤكد الخبير الجيولوجي أن لا علاقة لها أبدا بالهزات الأرضية التي تحصل اليوم، "ولا تدل على أي شيء مرتبط بالزلازل، وانما بظاهرة المد والجزر، وبالعادة، لكي تؤدي الهزة الأرضية إلى حركة في المياه، يجب أن تحصل في البحر، وتحصل حركة المياه خلال الهزة الأرضية، لترتد بعدها فوراً على شكل تسونامي، وليس بعد أسبوعين من الزلزال". 

من ناحيتها تشرح مديرة "المركز الوطني (اللبناني) للجيوفيزياء" الشروط العلمية التي يجب أن تتوفر لحدوث تسونامي: "أولاً يجب يكون مركز الهزة الأرضية في البحر، ثانياً أن تكون الهزة بدرجات قوية، ثالثاً يجب أن تكون حركة الفالق الزلزالي عامودية، وليس هناك أي شرط من هذه الشروط متوفر في حالتنا اليوم، ولم يحصل أي هزات في البحر المتوسط في الأيام الأخيرة، وبالتالي ظاهرة انحسار مياه البحر لا علاقة لها لا بزلزال تركيا ولا بما تبعه من هزات أرضية أخرى".  

وفي هذا السياق، تلفت البراكس إلى وجود فوالق زلزالية عامودية في البحر الأبيض المتوسط، أحدها يمر جنوبي جزيرة قبرص، وهو فالق معاكس، حين يتحرك يؤدي إلى تحريك قعر البحر باتجاه عامودي، ما من شأنه أن يحرك المياه أيضاً ويخلق موجة نسميها تسونامي، ولكن ليس كل هزة تحصل على هذا الفالق ستؤدي إلى تسونامي، يجب أن تكون هزة أرضية قوية تتجاوز ال 6.5 درجات. 

إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد
إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد

دفعت الزلازل، التي أسفرت عن مقتل نحو 44 ألف شخص ودمرت مدنا في جنوب شرق تركيا، سلطات البلاد لإعادة النظر مرة أخرى في سبل التصدي لهزة مماثلة في حالة وقوعها في قلب تركيا الصناعي المكتظ بالسكان في الشمال الغربي.

وتقع إسطنبول، وهي أكبر مدن تركيا ويبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، وتعد المحرك التجاري للبلاد، بالقرب من الفوالق الأرضية في الصفائح التكتونية التي تتقاطع في تركيا. وأسفر زلزالان فصلت بينهما ثلاثة أشهر عن مقتل قرابة 20 ألفا في شمال غرب البلاد عام 1999. ويقول علماء جيولوجيا إن من الممكن أن يقع زلزال جديد.

وقدر البنك الدولي أمس الأضرار المادية المباشرة التي تسبب فيها زلزال السادس من فبراير شباط بنحو 34 مليار دولار، لكن إجمالي تكاليف إعادة الإعمار والتعافي قد تصل إلى مثلي هذا المبلغ. وتضم المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد جزءا كبيرا من قطاع التصنيع، ومع ذلك فهو أصغر من نظيره في شمال غرب تركيا.

ومن الممكن أن تؤدي هزة بحجم زلزال فبراير حال وقوعها في إسطنبول، إحدى المدن الكبرى في العالم والتي تقع على مضيق البوسفور الاستراتيجي، إلى قدر كبير من الخراب والدمار وبالتالي فإن الأمر يتطلب المزيد من الاستعدادات.

وقال بورا جوكتشي نائب رئيس بلدية إسطنبول التي تديرها المعارضة "هذا هو المركز الصناعي (لتركيا). دمار بهذا الحجم هنا يمكن أن يكون له عواقب وخيمة أكبر كثيرا قد تؤدي إلى تدمير البلاد".

وأضاف بورا المسؤول عن إدارة مخاطر الزلازل بالبلدية "يجب على الدولة أن تنظر إلى هذا على أنه أمن قومي ويجب أن تعطيه أولوية وتخصص موارد هنا".

ومن المنتظر أن تكون أحداث الزلازل، التي وقعت هذا الشهر، ومسألة الاستعداد لحدوث زلزال كبير في منطقة مرمرة شمال غرب البلاد والتي تضم إسطنبول من المحاور الرئيسية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القررة في تركيا بحلول يونيو.

وشهدت فترة حكم الرئيس رجب طيب أردوغان المستمرة منذ عقدين طفرة في قطاع البناء. ومن المتوقع الآن أن يواجه أكبر التحديات السياسية له في هذه الانتخابات، وتعهد بحملة سريعة لإعادة بناء عشرات الآلاف من المنازل في أعقاب الزلازل التي دمرت أكثر من 180 ألف مبنى.

ويقطن منطقة مرمرة 25 مليون نسمة وتمثل ما يزيد قليلا على 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد حتى عام 2021، وفقا لبيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي.

التحضر السريع

تستضيف المنطقة الكثير من المصانع المنتجة لبضائع مثل الأسمنت والمنسوجات ومكونات السيارات. وتعد قناة عبور للتجارة الدولية، إذ تضم العديد من الموانئ التجارية وموانئ الركاب ومضيق إسطنبول الذي يربط بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

ويلتقي في تركيا عدة خطوط تصدع نشطة، مما يجعلها عرضة للزلازل القوية. ويمر فرع من خط صدع شمال الأناضول عبر بحر مرمرة جنوب إسطنبول.

ويقول الخبراء إنه يجب تركيز الاهتمام مجددا على استعداد إسطنبول لزلزال كبير، وهو الأمر الذي كان موضوع نقاش عام بشكل دوري منذ كارثة عام 1999.

وقال بورا "كان من الممكن تحسين معايير (البناء) على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية لو كان قد تم اتخاذ خطوات بشكل منهجي، لكن.. لم يحدث ذلك"، محذرا من أن الاستعداد لزلزال في إسطنبول أو بالقرب منها لم يكن مهمة كيان حكومي واحد وأنه يتطلب جهدا على مستوى الأمة.

وأضاف بورا "نحن بحاجة إلى تعبئة من جانب جميع مؤسسات الدولة... وعلينا تغيير السياسات وإنجاز ذلك في غضون خمسة إلى ستة أعوام قادمة".

ومنذ عام 1999، شهدت إسطنبول موجة سريعة من التحضر، معظمها تحت حكم أردوغان. وفي عام 2018، قدمت الحكومة ما يسمى بعفو التقسيم في عموم تركيا لإضفاء الشرعية على أعمال البناء غير المسجلة، والتي حذر المهندسون والمعماريون من أنها قد تعرض الأرواح للخطر.

وتنفي الحكومة الانتقادات القائلة بأنها كانت متساهلة فيما يتعلق بمعايير السلامة، لكن وزير العدل التركي بكر بوزداغ أقر الأسبوع الماضي بأنه يجب على تركيا ألا تستمر في تنفيذ العفو بعد الآن ويجب أن تراجع العقوبات المفروضة في حالة البناء دون الالتزام بالمعايير.

ويرأس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المنتمي لحزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد. وكان إمام أوغلو تصادم مع أردوغان في الماضي وينظر إليه على أنه منافس محتمل له في الانتخابات الرئاسية.

ومن المقرر أن يعلن عن "خطة تعبئة" لإسطنبول غدا الأربعاء.

وقال بورا إن الاستعدادات لزلزال في إسطنبول يجب ألا تقتصر على تقييم المباني وتقويتها، بل يجب أن تشمل أعمال البنية التحتية لتأمين تدفق الطاقة والمياه.

وأضاف أنه منذ الزلزال الذي وقع في الجنوب الشرقي، تلقت بلدية إسطنبول أكثر من مئة ألف طلب لتقييم مقاومة المباني، مما أدى إلى تعطل موقع البلدية على الإنترنت.