متلازمة الهرس تنتج عن "تعرض العضل إلى صدمة قوية، كسقوط كتلة عليه أو إصابته بضربة قوية
متلازمة الهرس تنتج عن "تعرض العضل إلى صدمة قوية، كسقوط كتلة عليه أو إصابته بضربة قوية

حالة مرضية "قاتلة" تتربص بالناجين من الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا وشمال غرب سوريا في السادس من الشهر الجاري.. منهم من خسر حياته بسببها ومنهم من ينتظر مصيره بين "البتر" والموت.. انها متلازمة الهرس أو السحق التي لا تقل رعباً عن أي مرض خطير. 

اكتشف عدد كبير من الناجين من الزلزال أن الموت الذي كان يلاحقهم تحت الأنقاض لم يستسلم بمجرد إنقاذهم، بل عليهم مصارعته في جولة أخرى لكن هذه المرة من على سرير المستشفى، فسقوط كتل ضخمة وضغطها على أطرافهم أو أعضاء من جسمهم لفترة زمنية، هي السبب الرئيسي للمأساة الجديدة التي يواجهونها، بحسب ما يؤكد طبيب الأمراض الداخلية في مستشفى السلام حارم، حسام قره محمد. 

الإصابة بمتلازمة الهرس لا تتعلق بالمدة الزمنية كما يؤكد قره محمد، شارحاً لموقع "الحرة" أنه "قد يصاب بها شخص نتيجة حادث سير إثر تعرضه لضغط قوي على أطرافه أو أعضاء من جسمه لثوان معدودة، أو من خلال الضغط على طرفه لمدة يوم أو يومين وأكثر، فالأمر يتعلق بحجم الأذية وكمية الطاقة المفرغة في الجسم خلال فترة ما". 

كذلك شرح طبيب جراحة العظام والمفاصل والعمود الفقري، نزيه طعّان، لموقع "الحرة" أن هذه المتلازمة تنتج عن "تعرض العضل إلى صدمة قوية، كسقوط كتلة عليه أو إصابته بضربة قوية أو تأثره نتيجة سير الشخص أو ركضه لمسافة طويلة تفوق قدرته، إذ حينها يتلف العضل ويتحول بروتين الميوغلوبين داخله إلى مواد سامة تنتقل خلال الدورة الدموية إلى الكلى فيغلق مجراها". 

مكمن الخطورة 

أصيب عدد كبير من ضحايا الزلزال الذي ضرب شمال غرب سوريا بهذه المتلازمة، وإن كان كما يقول قره محمد "لا يوجد إحصاءات دقيقة، لكن أغلب المرضى الذين لم يتوفوا تحت الأنقاض دخلوا في هذه المتلازمة ومنهم للأسف من فارق الحياة". 

ويشرح "تنتج متلازمة الهرس عن انقطاع التروية الدموية عن طرف أو عضو ما، ما يؤدي إلى تموته ودخوله في سلسلة من سلاسل الغنغرينة، وهي الغنغرينة الغازية التي تستهدف الأنسجة العضلية العميقة، وتتسبب بإفراز الجراثيم السامة وإطلاق الغازات، وعند عودة التروية الدموية إلى الطرف المصاب، تنتقل مادة الحطام العضلي "الميوغلوبين" إلى الكلية فتعطل عملها ما يصيب المريض بقصور كلوي".  

نتيجة القصور الكلوي "ترتفع نسبة الكرياتينين وهي مادة سامة في الدم، وتضطرب شوارد الجسم وأهمها البوتاسيوم، وإذا لم يتم إخضاع المريض لغسيل كلى إسعافي لضبط هذه المادة القاتلة قد يتوقف قلبه عن النبض ويفارق الحياة". 

فخطورة متلازمة الهرس تكمن بحسب قره محمد "بتسببها بإصابة المريض بالفشل الكلوي الحاد أي عجز كليتيه عن تنقية الفضلات من الدم، بالتالي تتزايد مستويات الفضلات الخطرة التي يسببها الطرف المصاب بأذية، ما يحدث خللاً بالتركيب الكيميائي للدم"، ومن اعراض مرض الكلى كما يشرح "التعب الشديد، الغثيان، التقيؤ، التشجنات العضلية، صعوبة التركيز، تورم حول اليدين او الكاحلين والوجه، كثرة التبول، جفاف الجلد". 

كذلك يشير طعّان إلى أن "هذه المتلازمة تؤدي إلى الفشل الكلوي، واضطراب عملية الأيض، كارتفاع نسبة البوتاسيوم وانخفاض نسبة الكالسيوم، والإصابة بالحماض الأيضي الذي يؤثر على القلب". 

كيفية اكتشاف الإصابة 

قد لا تظهر أعراض على المصاب تشير إلى إصابته بمتلازمة الهرس، لكن بعد مراقبته واجراء الفحوص يمكن اكتشاف الأمر بحسب ما يقوله قره محمد، شارحاً "أي شخص يتعرض لكتلة ضاغطة على أطرافه يجب أن يخضع لمراقبة لا تقل مدتها عن 12 ساعة إذا كان سليماً نظرياً، وفي حال وجود كدمات على جسده يجب إخضاعه لإجراءات محددة إن كان على مستوى أشعة الصدر والبطن، أو الطبق المحوري للصدر والرأس، أو الطبق المحوري الماسح، لتقّيم الأطراف كما يجب إجراء تحاليل للكلى ومراقبة الصادر البولي الذي يعتبر أحد أهم المؤشرات، فلون البول الداكن المائل إلى الأسود يشير إلى أن المريض يعاني من هذه المتلازمة". 

من جانبه يقول طعّان "تظهر أعراض متلازمة الهرس على الطرف الذي تعرض للضغط من خلال شعور المريض بالتخدر ليبدأ بعدها الطرف بالتورم وتغيير لونه. ولكشف الإصابة بهذه المتلازمة نلجأ إلى فحوص الدم، لمعرفة مستويات البوتاسيوم والكرياتينين وحمض اليوريك والكالسيوم والغازات وأنزيمات الكبد، كذلك لمعرفة مدى تخثر الدم، كما لا بد من إجراء تخطيط للقلب، وفحص بول لمعرفة مستوى الميوغلوبين، إضافة إلى إخضاع طرف المريض لصورة أشعة سينية". 

أما الأخصائية في أمراض الكلى والضغط، الدكتورة حنان طباجة، فتشير في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "الضغط على أحد أعضاء الجسم يؤثر على وظائف الكلى، ولكشف الإصابة بهذه الحالة الطبية نلجأ إلى فحص الـ CPK في الدم، وهو اختصار للاسم العلمي للتحليل فوسفو كرياتين كيناز، والذي يظهر مدى صحة العضلات أو التلف الذي اصابها، اذ كلما ارتفعت نسبة هذا الأنزيم يزداد احتمال إصابة المريض بالقصور الكلوي".  

بحسب منظمة الصحة العالمية، انتقلت أمراض الكلى من السبب الرئيسي الثالث عشر للوفاة في العالم إلى المركز العاشر، وارتفع معدل الوفيات الناجمة عنها من 000 813 في عام 2000 إلى 1,3 مليون في عام 2019. 

رحلة العلاج 

أغلب المرضى الذين يصابون بفشل كلوي نتيجة متلازمة الهرس يتماثلون كما تقول طباجة "للشفاء، حيث تعود كليتهما إلى الوضع الذي كانتا عليه قبل الإصابة بالمتلازمة، أما الذين يصابون بفشل كلوي حاد ولم يتلقوا العلاج بالسرعة المطلوبة من الممكن أن تتعرض كليتهما للضرر"، مشددة "كلما تلقى المصاب بهذه المتلازمة العلاج سريعاً كلما ارتفع منسوب شفاء كليتيه لكن لا بد أولا من معالجة السبب الرئيسي الذي أدى إلى تضررهما، مع ضرورة إعطاء المريض السوائل اللازمة ومراقبة كمية البول لدى المريض".    

أما قره محمد فيشير إلى أن نسبة الشفاء من هذه المتلازمة تتوقف على الأذيات المرافقة للطرف أو العضو المصاب، "كنزف هضمي أو اذية على مستوى الجهاز العصبي المركزي، كما تعتمد على مدى توفّر جلسات غسل الكلى، وهو ما واجهناه للأسف في الايام الأولى من الزلزال، حيث فارق عدد كبير من الناجين من تحت الأنقاض الحياة، كون الأذيات المرافقة لمتلازمة الهرس كانت عنيفة، فالأطفال الذين مكثوا لأيام تحت الأنقاض في ظل درجات حرارة متدنية جداً وصلت ما دون الصفر، معرضون لقصور في القلب والكلى بغض النظر عن اصابتهم بمتلازمة الهرس من عدمه". 

ومن الضروري في حالات الكوارث توفر عدد كاف من أجهزة غسل الكلى كما يشدد طبيب الامراض الداخلية وكذلك "مراقبة المريض بشكل مستمر للتأكد من نسبة شوارد البوتاسيوم". 

أحد العلاجات لحالة متلازم الهرس، هي بتر الطرف أو العضو المصاب الذي يفرز السموم، لكن بحسب قره محمد "يعود إلى الطبيب اتخاذ هذا القرار بناء على موازنة يجريها بين مدى إمكانية بث الحياة من جديد للطرف أو العضو المصاب وبين الحالة العامة للمريض فيما إن كانت تتحمل البتر". 

ويشدد "إن كان وضع المريض سيئاً والسموم تنتشر في جسده لا خيار حينها أمام الطبيب سوى البتر رغم صعوبة الأمر كونه يعني اكمال المريض بقية عمر معوّقا" مضيفاً "بعد مرور نحو أسبوعين على الزلزال المدمر أصبحت فرص بقاء المرضى على قيد الحياة أكبر، من هنا يفضل على الأطباء الصبر والتريث واللجوء إلى المضادات الحيوية والعلاج بالأكسجين والجراحة لاستعادة تدفق الدم وإزالة الأنسجة الميتة بدلاً من البتر". 

أمام طعّان فيقول إن "علاج متلازمة الهرس يتطلب تزويد المريض بكميات كبيرة من المحلول الملحي بنحو عشرة ليترات يومياً، وذلك لتخفيف كثافة السموم في الدم وبالتالي الترسبات في الكلى، ومحاولة إعادة إيصال الدم إلى الطرف المصاب، كما يمكن اللجوء إلى فتح غشاء العضل لتخفيف ضغط الورم على الشرايين والذي يؤدي إلى اغلاقها وعدم وصول الدم اليها وبالتالي جفافها وظهور كدمات باللون الأسود". 

لكن إن لم ينجح العلاج ببث الدورة الدموية للطرف من جديد حينها لا بد كما يقول طعّان "من بتره كي لا يستمر ببث السموم أو الالتهاب ونقلها إلى بقية أعضاء الجسم ومنها القلب الأمر الذي يهدد الحياة". 

إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد
إسطنبول أكبر مدن تركيا وعدد سكانها 16 مليون نسمة وتعد المحرك التجاري للبلاد

دفعت الزلازل، التي أسفرت عن مقتل نحو 44 ألف شخص ودمرت مدنا في جنوب شرق تركيا، سلطات البلاد لإعادة النظر مرة أخرى في سبل التصدي لهزة مماثلة في حالة وقوعها في قلب تركيا الصناعي المكتظ بالسكان في الشمال الغربي.

وتقع إسطنبول، وهي أكبر مدن تركيا ويبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، وتعد المحرك التجاري للبلاد، بالقرب من الفوالق الأرضية في الصفائح التكتونية التي تتقاطع في تركيا. وأسفر زلزالان فصلت بينهما ثلاثة أشهر عن مقتل قرابة 20 ألفا في شمال غرب البلاد عام 1999. ويقول علماء جيولوجيا إن من الممكن أن يقع زلزال جديد.

وقدر البنك الدولي أمس الأضرار المادية المباشرة التي تسبب فيها زلزال السادس من فبراير شباط بنحو 34 مليار دولار، لكن إجمالي تكاليف إعادة الإعمار والتعافي قد تصل إلى مثلي هذا المبلغ. وتضم المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد جزءا كبيرا من قطاع التصنيع، ومع ذلك فهو أصغر من نظيره في شمال غرب تركيا.

ومن الممكن أن تؤدي هزة بحجم زلزال فبراير حال وقوعها في إسطنبول، إحدى المدن الكبرى في العالم والتي تقع على مضيق البوسفور الاستراتيجي، إلى قدر كبير من الخراب والدمار وبالتالي فإن الأمر يتطلب المزيد من الاستعدادات.

وقال بورا جوكتشي نائب رئيس بلدية إسطنبول التي تديرها المعارضة "هذا هو المركز الصناعي (لتركيا). دمار بهذا الحجم هنا يمكن أن يكون له عواقب وخيمة أكبر كثيرا قد تؤدي إلى تدمير البلاد".

وأضاف بورا المسؤول عن إدارة مخاطر الزلازل بالبلدية "يجب على الدولة أن تنظر إلى هذا على أنه أمن قومي ويجب أن تعطيه أولوية وتخصص موارد هنا".

ومن المنتظر أن تكون أحداث الزلازل، التي وقعت هذا الشهر، ومسألة الاستعداد لحدوث زلزال كبير في منطقة مرمرة شمال غرب البلاد والتي تضم إسطنبول من المحاور الرئيسية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القررة في تركيا بحلول يونيو.

وشهدت فترة حكم الرئيس رجب طيب أردوغان المستمرة منذ عقدين طفرة في قطاع البناء. ومن المتوقع الآن أن يواجه أكبر التحديات السياسية له في هذه الانتخابات، وتعهد بحملة سريعة لإعادة بناء عشرات الآلاف من المنازل في أعقاب الزلازل التي دمرت أكثر من 180 ألف مبنى.

ويقطن منطقة مرمرة 25 مليون نسمة وتمثل ما يزيد قليلا على 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد حتى عام 2021، وفقا لبيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي.

التحضر السريع

تستضيف المنطقة الكثير من المصانع المنتجة لبضائع مثل الأسمنت والمنسوجات ومكونات السيارات. وتعد قناة عبور للتجارة الدولية، إذ تضم العديد من الموانئ التجارية وموانئ الركاب ومضيق إسطنبول الذي يربط بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

ويلتقي في تركيا عدة خطوط تصدع نشطة، مما يجعلها عرضة للزلازل القوية. ويمر فرع من خط صدع شمال الأناضول عبر بحر مرمرة جنوب إسطنبول.

ويقول الخبراء إنه يجب تركيز الاهتمام مجددا على استعداد إسطنبول لزلزال كبير، وهو الأمر الذي كان موضوع نقاش عام بشكل دوري منذ كارثة عام 1999.

وقال بورا "كان من الممكن تحسين معايير (البناء) على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية لو كان قد تم اتخاذ خطوات بشكل منهجي، لكن.. لم يحدث ذلك"، محذرا من أن الاستعداد لزلزال في إسطنبول أو بالقرب منها لم يكن مهمة كيان حكومي واحد وأنه يتطلب جهدا على مستوى الأمة.

وأضاف بورا "نحن بحاجة إلى تعبئة من جانب جميع مؤسسات الدولة... وعلينا تغيير السياسات وإنجاز ذلك في غضون خمسة إلى ستة أعوام قادمة".

ومنذ عام 1999، شهدت إسطنبول موجة سريعة من التحضر، معظمها تحت حكم أردوغان. وفي عام 2018، قدمت الحكومة ما يسمى بعفو التقسيم في عموم تركيا لإضفاء الشرعية على أعمال البناء غير المسجلة، والتي حذر المهندسون والمعماريون من أنها قد تعرض الأرواح للخطر.

وتنفي الحكومة الانتقادات القائلة بأنها كانت متساهلة فيما يتعلق بمعايير السلامة، لكن وزير العدل التركي بكر بوزداغ أقر الأسبوع الماضي بأنه يجب على تركيا ألا تستمر في تنفيذ العفو بعد الآن ويجب أن تراجع العقوبات المفروضة في حالة البناء دون الالتزام بالمعايير.

ويرأس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المنتمي لحزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد. وكان إمام أوغلو تصادم مع أردوغان في الماضي وينظر إليه على أنه منافس محتمل له في الانتخابات الرئاسية.

ومن المقرر أن يعلن عن "خطة تعبئة" لإسطنبول غدا الأربعاء.

وقال بورا إن الاستعدادات لزلزال في إسطنبول يجب ألا تقتصر على تقييم المباني وتقويتها، بل يجب أن تشمل أعمال البنية التحتية لتأمين تدفق الطاقة والمياه.

وأضاف أنه منذ الزلزال الذي وقع في الجنوب الشرقي، تلقت بلدية إسطنبول أكثر من مئة ألف طلب لتقييم مقاومة المباني، مما أدى إلى تعطل موقع البلدية على الإنترنت.