لا تزال كارثة الزلازل الذي وقع في الشرق الأوسط مؤخرا، تلاحق الأتراك والسوريين، حيث أصبح النوم في المنازل يشكل مصدرا للقلق في العديد من البلدات، بالزخص وسط توقعات "عالم" أثار بـ "تنبؤاته" ضجة واسعة.
الهولندي، فرانك هوغربيتس الذي يزعم أنه عالم في الزلازل، أصابت تنبؤاته بحدوث الزلزال في السادس من فبراير، وخلال الأيام الماضية، أطلق تحذيرات بأن المنطقة ستشهد في الفترة ما بين 22-25 فبراير موجة جديدة من الزلازل، وأن "الأسوأ في الأسبوع الأول من مارس".
Some seismic increase may occur around 25-26 February, but probably not much. The first week of March will be critical.https://t.co/45iNYattOQ
— SSGEOS (@ssgeos) February 23, 2023
هذه التحذيرات لقت آذانا صاغية لدى العديد من سكان البلدات في سوريا ومناطق أخرى عانت من الزلزال، حيث يقول المواطنون "إنهم يفضلون البقاء في الشوارع، على المبيت في المنازل" بحسب ما تحدثوا لموقع "الحرة".
وأودى الزلزال بحياة قرابة 46 ألف شخص في سوريا وتركيا.
المنطقة قد تكون لا تزال معرضة للزلزال، ولكن علماء أجمعوا على أن "التنبؤ" بحدوثها ليس أمرا قائما، وأن التوقعات بحدوثها قد تكون ضربا من "التنجيم"، داعين إلى عدم "بث الرعب" بين الناس.
وعقب الكارثة التي حلت بمناطق واسعة من تركيا وشمال سوريا توالت ظهور معلومات المضللة على مواقع التواصل الاجتماعي، منها نظريات مؤامرة عن أسباب مفتعلة لهذا الزلزال.
العلم والتنبؤ بموعد الزلزال
الخبير الدولي في الزلازل والكوارث الطبيعية وتغير المناخ، الدكتور بدوي رهبان، قال إن "علم الزلازل شهد تقدما كبير خلال الـ 140 عاما الماضية، ورغم ذلك لا نزال غير قادرين على التنبوء بحدوث زلزال بتاريخ وساعة معينة".
وأكد رهبان، وهو المدير السابق للحد من الكوارث في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، في حديث لموقع "الحرة" أنه "ليس هناك في العالم أي عالِم حقيقي في مجال الزلازل قادر على تحديد موعد حدوث الزلزال في أي منطقة في العالم".
وقال إن علم الزلزال يسمح "للعلماء، استنادا على متابعات وبيانات ودراسات علمية، بالقول إنه هناك احتمالا بنسبة مئوية معينة أن يحصل زلزال خلال عقود مقبلة في منطقة"، مضيفا "إن هذا الأمر ليس تنبؤا إنما هو توقع قائم على معطيات علمية".
وطالب الخبير رهبان وهو مقيم في باريس السلطات الرسمية ووسائل الإعلام "القيام بدور توعوي هام بعد نقل أي توقعات أو تقارير ليست مرتكزة على علم الزلزال"، مشددا على أهمية "الأخذ بما يقوله الخبراء والعلماء مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ما من عالم يستطيع التنبؤ بحدوث الزلزال".
ويشرح أن "علم الزلازل يرتبط بحركات الصفائح التكتونية والتي تشكل سطح الأرض، حيث تحدث الزلزال نتيجة تحرك الفوالق والصدوع بين هذه الصفائح".
تقع تركيا على خط صدع زلزالي رئيسي في العالم. وفي عام 1999، تسبب زلزال في إزميت على بعد حوالي 100 كلم جنوب شرق إسطنبول بمقتل 17 ألف شخص، بحسب تقرير سابق لوكالة فرانس برس.
لم يشهد هذا الخط أي زلزال تفوق قوته 7 درجات منذ أكثر من قرنين، مما حدا بالسكان إلى "الاستخفاف بخطورته"، بحسب خبراء تحدثوا للوكالة. وأشاروا إلى أن الزلزال الأخير هو"تقريبا تكرار" للزلزال الذي ضرب المنطقة، في 13 أغسطس 1822، والذي قدرت قوته بنحو 7.4 درجات.
علاقة حركة الكواكب بالزلزال!
البروفيسورة كاثرين فورستر، مديرة برنامج العلوم الجيولوجية في جامعة جورج واشنطن قالت إنه "يمكن لأي شخص أن يتنبأ بأي شيء يريده، وقد يصيب في إحدى توقعاته لمرة واحدة في نهاية المطاف، ولكن هذا لا يعني أن لديهم الإجابة السحرية".
وأوضحت في حديث لموقع "الحرة" إن "ما نحتاج النظر إليه هو عدد التنبؤات التي قام بها هذا الشخص ولم تتحقق، وعدد الزلازل التي حدثت ولم يتنبأ بها أيضا".
ويربط الهولندي هوغربيتس بين حركة الكواكب في الفضاء وحدوث الزلازل على كوكب الأرض، وأكدت البروفيسورة فورستر إنه حتى الآن " لا يوجد أي دليل، يشير إلى وجود علاقة سببية بين حركة الكواكب والزلازل على الأرض".
وسبق لهوغربيتس أن قام بعدة توقعات غير صحيحة، أشهرها ادعاؤه أن زلزالا كبيرا سيضرب كاليفورنيا، في 28 مايو من عام 2015، وحث الناس على وضع خطة هروب جاهزة، محذرا من وقوع زلزال خطير للغاية بقوة 8.8 درجة أو أعلى.
"المتنبؤن الهواة"
عالمة الزلازل في وكالة المسح الجيولوجي الأميركية، سوزان هوغ، قالت إنها سمعت عن "تنبؤات" هوغربيتس "ولكنه لا ينتمي إلى مجتمع العلماء الذين يدرسون الأرض، وهو يزعم إنه (عالم زلازل علّم نفسه بنفسه) ويبني تنبؤاته اعتمادا على الكواكب".
وشرحت في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن هوغربيتس استند "في تحديده لانزلاق صدع الأناضول باعتباره خطرا محتملا على ورقة بحثية نشرت عام 2002، والتي ناقشت احتمال حدوث الزلزال على طول الصدع الذي انكسر".
وأكدت هوغ أنه "لا توجد طريقة للتوصل لتنبؤات موثوقة لموعد وقوع الزلزال على المدى القريب"، مشيرة إلى أن العلماء قد يحددون "احتمالية وقوع زلزال كبير" في بعض المناطق، من دون القدرة على تحديد موعده.
إذ تحدثت ورقة بحثية، في عام 2002، عن احتمال وقوع زلزال جنوب هايتي قبل ثماني سنوات من الزلزال المدمر عام 2010، والآن هناك العديد من التقارير تتحدث عن احتمال حدوث زلزال كبير على صدع سان أندرياس أو صدع هايوارد في كاليفورنيا، ولكن هذا لا يعتبر "توقعا"، فقد تحدث هذه الزلازل بعد يوم واحد أو بعد 75 عاما.
وأوضحت أن "المتنبئين الهواة" يقومون بالعديد من التوقعات "الغامضة"، وعندما تحدث الزلازل "يزعمون أنهم نجحوا" في معرفة المستقبل.
ودحضت العالمة هوغ الفرضية التي يستند إليها هوغربيتس بوجود علاقة بين المد والجزر وحركة القمر والكواكب، مشيرة إلى أن الدراسات أثبتت عدم وجود "علاقة مع حدوث الزلازل الكبرى"، ولكن قد يكون لها ارتباط في "بعض الظروف مع حدوث الزلازل الصغيرة".
وأضافت أنه "إذا أخذنا بفرضية 'المد والجزر' وعلاقتها بالزلازل، فهي تحدث مرتين كل يوم، فكيف يمكنك بناء تنبؤات قصيرة المدى بناء على عامل يتقلب باستمرار".
وكشف الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أن 139 ألف مبنى انهار أو لحقت به أضرار جسيمة أو ينبغي أن تهدم فورا أي ما مجموعه 458 ألف وحدة سكنية.
"الهزات الاردتدية"
ووفق تقرير نشرته وكالة الأنباء التركية الرسمية "الأناضول"، أعلنت إدارة الكوارث والطوارئ "آفاد" تسجيل 8550 هزة ارتدادية منذ وقوع الزلزال.
وقال مدير عام قسم الزلازل والحد من المخاطر في "آفاد"، أورهان تتار، الخميس، إنه "من المتوقع أن تحدث في المنطقة خلال الأيام المقبلة هزات ارتدادية تفوق شدتها 5 درجات".
ويوضح الخبير الدولي رهبان، أنه "منذ حدوث الزلزال، في السادس من فبراير، تبعتها العديد من الهزات الارتدادية، والتي قد تستمر لأيام أو أسابيع وحتى أشهر، ولكن حدوث هزة ارتدادية بذات قوة الزلزال الأخير قد تكون فرضية قليلة الاحتمال".
ووجه "نداء" إلى السلطات في المناطق التي تأثرت بالزلزال الأخير إلى "عدم عودة السكان إلى المباني المتصدعة أو المكوث قربها، قبل الكشف التقني للتأكد من سلامتها، في حال حدوث هزات ارتدادية قد تؤثر عليها".
ودعا دول الشرق الأوسط إلى "الانخراط في وضع خطط وإجراءات على المدى القريب والمتوسط، من أجل وضع سيناريوهات للتعامل مع "المخاطر الطبيعية"، وتوعية سكان هذه الدول بكيفية التعامل في حال حدوث أي كارثة، مشيرا إلى أن "الزلازل لا تقتل، ولكن عدم أخذ الاحتياطات وعدم جهوزية فرق الطوارئ هو ما قد يتسبب بمقتل المتأثرين من هذه الزلازل".
وتتعرض الحكومة التركية لانتقادات شديدة من المعارضة ووسائل الإعلام المستقلة لضعف رد فعلها خلال الأيام الأولى في المناطق التي دمرها الزلزال، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.
من جانبها، قالت العالمة هوغ إن البيانات الإحصائية تشير إلى أن هناك احتمالا واحدا من بين 10، بحدوث هزة ارتدادية قوتها أكبر من 7 درجات بعد العاشر من فبراير، وهناك فرصة واحدة من 100 بحدوث هزة ارتدادية قوتها أكبر من 7.8 درجة.
وأشارت إلى أن الناس الذين يعيشون في المناطق التي تأثرت بالزلازل، عليهم أن يدركوا أنه "من المتوقع حدوث المزيد من الزلازل، خاصة إذا كنت تعيش في منطقة شديدة الخطورة"، مؤكدة أنه من "المحبط للعلماء أنهم لا يمكنهم التنبؤ بالضبط بموعد حدوث زلزال كبير".
ودعت هوغ السلطات في المناطق التي تأثرت بالزلزال في الشرق الأوسط إلى ضرورة التنبه عند إعادة البناء بأن "تكون المباني قادرة على الصمود في حال حدوث الزلازل"، إذ أنه من المهم "عدم انهيار المباني لحماية حياة الناس".
وبعد الزلزال الأخير يشعر خبراء بالقلق من الأضرار التي قد تسببها هزة أرضية مماثلة لو وقعت في مدينة إسطنبول، والتي يعيش فيها 16 مليون نسمة، وتقع قرب صدع شمال الأناضول.
